منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 (الاستدلال بالقواعد الفقهية في اجتهادات المدرسة المالكية بالعراق) للأستاذ الدكتور حمزة أبو فارس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد عبد الله

avatar

عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 21/12/2011

مُساهمةموضوع: (الاستدلال بالقواعد الفقهية في اجتهادات المدرسة المالكية بالعراق) للأستاذ الدكتور حمزة أبو فارس   الأحد فبراير 05, 2012 9:37 am

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد فاستجابة للدعوة الكريمة التي وجهتها إلي شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بجامعة مولاي إسماعيل الموقرة أحببت أن أشارك في هذه الندوة المباركة بهذه الورقة التي عنونتها ب( الاستدلال بالقاعدة الفقهية في اجتهادات المدرسة المالكية بالعراق ) ؛ وذلك لأمرين:
الأول : أن هذه المدرسة قد اعتنت بالقواعد الفقهية واستثمرتها إلى حد بعيد .
الثاني : أن مجتمعنا الإسلامي اليوم بحاجة ماسة إلى هذه القواعد لاستثمارها فيما جد ويجد من نوازل ، لا مناص من استعمال القواعد الفقهية لإيجاد الأحكام لها ؛ إذ لم يعد التراث الفقهي الفرعي والتخريج عليه كافيا لذلك .
وقد قسمت هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : القاعدة الفقهية والاستلال بها .
المبحث الثاني : المدرسة المالكية بالعراق إلى أوائل القرن الخامس الهجري .
المبحث الثالث : القواعد الفقهية عند أشهر علماء هذه المدرسة .




المبحث الأول : القاعدة الفقهية والاستدلال بها
تعريف القاعدة الفقهية لغة واصطلاحًا
القاعدة لغة من القعود وهذه المادة ترجع إلى السكون وعدم الحركة ولذلك أطلقت على الأصل والأساس ؛ لأنه يحفظ ما عليه من الحركة ، وأطلقت على الألواح التي يبنى عليها الهودج .
واصطلاحًا عرفت بتعريفات متعددة أكثرها متقارب ، غير أن بعضها كان كلامه عن القاعدة بصورة عامة ، فإذا أريد بها القاعدة أضيف إليها كلمة " الفقهية " .
نختار من بين هذه التعريفات تعريف السبكي : الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها .
ونشير إلى تعريف الدكتور يعقوب الباحسين الذي انتقد التعريفات التي سبقته وارتضى تعريفا هو : ( القاعدة قضية فقهية كلية ، جزئياتها قضايا فقهية كلية ) . وذلك – من وجهة نظره – حتى لا تدخل القواعد الكلية الصغرى التي تتضمن جزئيات مباشرة ، فهو لا يعتبر أي قاعدة ما لم تكن تحتها قواعد كلية ، أما التي تحوي فروعاً وجزئيات مباشرة فلا تعد قاعدة عنده .
وبهذا فقد أسقط كثيراً من ما عده كثير من الفقهاء قواعد فقهية .
الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي :
كان كثير من الفقهاء لا يفرقون بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي فكل منهما حكم يتعرف منه على جزئيات كثيرة .
وأول من فصل بينهما في ما نعلم السبكي – رحمه الله – حيث ذهب إلى أن الحكم إذا كان يشمل أكثر من باب فقهي فهو القاعدة ، وإذا كان يخص بابا فقهيا واحدًا فهو الضابط . ثم تبع السبكيَ كثيرٌ ممن جاء بعده .
أقسام القاعدة الفقهية :
تنقسم القاعدة الفقهية إلى أقسام عدة من حيثيات مختلفة :
1 . قواعد كلية كبرى ، وقواعد كلية صغرى . مثال الأولى : قاعدة الأمور بمقاصدها ، ومثال الثانية : إعمال الكلام أولى من إهماله .
2 . قواعد أصلية وقواعد تبعية ، ونقصد بالتبعية هنا تلك القواعد التي لها ارتباط بغيرها ، فهي متفرعة منها أو مقيدة لها ، مثال ذلك قاعدة الضرر يزال ، فإنها مقيدة بقاعدة الضرر لا يزال بمثله ولا بأكبر منه .
3 . قواعد نصية وقواعد استنباطية ، مثال الأولى ( لا ضرر ولا ضرار ) فهي نص لحديث شريف ، ومثال الثانية قاعدة ( الضرورة تقدر بقدرها ) .
4 . قواعد متفق عليها وقواعد مختلف فيها، مثال الأولى ( اليقين لا يزول بالشك) ، ومثال الثانية ( الغالب كالمحقق ) .
5 . والقواعد المختلف فيها تنقسم بدورها إلى قسمين قواعد خلافية خلافا عاليا أي بين المذاهب الفقهية ، وقواعد مختلف فيها داخل المذهب ، وتبدأ هذه الأخيرة بحرف الاستفهام ( هل ) عادة .


الاستدلال بالقواعد الفقهية
هل القاعدة الفقهية حجة تستنبط بها الأحكام ؟
لم يتكلم الفقهاء الأقدمون بصراحة عن الاحتجاج بالقاعدة الفقهية وإنما بحثت هذه المسألة في العقود المتأخرة ، فاستقرئ ما كتبه الأولون ، فوجد في كلام بعضهم ما يدل على الاحتجاج بها ، ووجد العكس في كلام بعضهم الآخر .
فمن الفريق الأول : ابن سحنون وابن عبد البر والقرافي وابن بشير وابن تيمية وابن نجيم وابن عرفة وابن زاغو .
ومن الفريق الثاني عبد الملك الجويني ، وابن دقيق العيد ، وابن فرحون ، والحموي ، وفي مقدمة مجلة الأحكام العدلية ما يدل على ذلك .
بينما يفهم مما كتبه بعض العلماء التردد في القول بالحجية ، ومن أولئك ابن النجار. وذهب بعض المتأخرين إلا أنها حجة مطلقا ، وذهب آخرون إلى حجية القواعد التي تستند إلى دليل من القرآن والسنة أي القواعد النصية ، وأما القواعد الاستنباطية فإنما هي استئناسية أي يستأنس بها ، ولا تستقل بالحجية .
وأنا أذهب إلى أنها حجة سواء أكانت نصية أو استنباطية ، لكن هذه الحجية تختلف قوة وضعفا بحسب الدليل المستندة إليه ودلالته على ذلك صراحة أو بنوع من التأويل، ولا غرابة في هذا الاختلاف في القوة والضعف ، إذ أن الأدلة الشرعية بعضها محل اتفاق وبعضها الآخر محل اختلاف ، وهي كلها على الإجمال أدلة صالحة للاحتجاج .


المدرسة المالكية بالعراق ( أو المدرسة المالكية البغدادية ) .
لا أراني بحاجة إلى الحديث عن الإمام مالك - مؤسس المذهب – وسيرته ، وإنما يهمنا هنا انتشار هذا المذهب في العراق .
لا شك أن مالكاً أخذ عنه وسمع منه وتفقه عليه خلق من مناطق مختلفة ، وكان مقصودهم مختلفا كذلك ، فهذا يريد الحديث وعلم الرجال ، وذلك يريد الفقه ، وثالث يريد الجمع بينهما ، وهكذا نجد ثلة من العراقيين قدموا إلى الإمام مالك وسمعوا منه، ورجعوا إلى بلادهم فبثوا علمه بين تلامذتهم ، وأدخلوا الموطأ والأسمعة إلى العراق.
وها أنذا أذكر سند المذهب إلى أوائل القرن الخامس ، حيث بدأ الضعف يدب إليه، مقتصرا على أهم هذه الشخصيات التي حملت المذهب وحمته ونصرته في تلك البقعة من الأرض .
فأولهم عبد الرحمن بن مهدي المتوفى بالبصرة سنة 198 هـ الذي قال عنه المديني إنه كان يذهب إلى قول مالك ، ولا شك أنه كان قد سمع مالكاً .
ويأتي بعد ذلك عبد الله بن مسلمة القعنبي المتوفى 221 هـ أحد رواة الموطأ المشهورين . وجاء بعدهما أحمد بن المعذل فكان له جهد كبير في نشر المذهب في العراق .
ثم انتقل علم مالك إلى عائلة حماد بن زيد التي احتفظت بنضارة المذهب ومكنت له تمكينا لم يحصل لعائلة أخرى ـ فيما نعلم ـ وبلغ هذا الأمر غايته على عهد القاضي إسماعيل بن إسحاق المتوفى سنة 282 هـ صاحب كتاب المبسوط ، ثم القاضي محمد بن يوسف بن يعقوب المتوفى سنة 320 هـ . ثم انتقل علم مالك إلى شيخ المدرسة المالكية بالعراق ، بل المرجع للمدارس الفقهية المختلفة ، وهو الشيخ أبوبكر الأبهري المتوفى سنة 375 هـ ، ثم وصل إلى تلميذه ابن خويز منداد المتوفى سنة 395 هـ والقاضي ابن القصار المتوفى سنة 397 هـ . وعن الأبهري وابن القصار أخذ القاضي عبد الوهاب بن علي نصر البغدادي المتوفى سنة 422 هـ بمصر. وتوجد شخصية علمية أخرى في المدرسة العراقية كان لها تأثيرها القوي . لكن معظم هذا التأثير كان في التأصيل العقدي والفقهي لم نذكرها ؛ لأن حضورها في الفروع قليل ، تلك الشخصية هي القاضي أبوبكر الباقلاني ناصر السنة المتوفى سنة 402 هـ .
سنتحدث في هذه الورقة عن نماذج من علماء هذه المدرسة وهم القاضي إسماعيل بن إسحاق ، والأبهري وابن خويز منداد ، وابن القصار ، والقاضي عبد الوهاب .
ولا أريد أن أترجم لهؤلاء ، بل الذي يهمني – هنا – هو استعمالهم للقواعد الفقهية تارة مستدلين بها ، وتارة مستأنسين بها .
وقبل أن انتقل إلى المبحث الثاني الذي سأخصصه لنماذج تطبيقية لصنيع هؤلاء العلماء في تطبيق هذه القواعد أود أن أنبه إلى أمرين :
الأول : أنني سأتعرض لبعض الضوابط الفقهية ، وبعض القواعد الأصولية التي استعملها هؤلاء الفقهاء ، والتي لها ارتباط وثيق بالقواعد الفقهية .
والثاني : أن عدد القواعد والضوابط التي ذكرناها لكل من أعلام تلك المدرسة ليست متساوية ولا متقاربة من حيث العدد ، وذلك راجع إلى كثرة استعمال كل منهم لها وقلته .
المبحث الثاني : الاستدلال بالقواعد الفقهية عند مالكية العراق
أولا : القواعد الفقهية عند القاضي إسماعيل بن إسحاق
للأسف الشديد فقدت مؤلفات القاضي إسماعيل ، ولم يصلنا منها – فيما نعلم إلا ثلاثة قطع من آثاره وهي : رسالة في فضل الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم . حققها الشيخ الألباني ، ونشرها المكتب الإسلامي في عدة طبعات أولها سنة 1963 م في حوالي ستين صفحة .
وقطعة من مسند حديث مالك بن أنس حققها ميكلوش موراني ، وطبعتها دار الغرب الإسلامي طبعة أولى سنة 2002 م في حوالي ثمانين صفحة .
وقطعة من تفسيره ( أحكام القرآن ) حققها وقدم لها عامر حسن صبري ، وطبعتها دار ابن حزم في بيروت أول مرة سنة 2005 م . وهذا الكتاب الأخير هو الذي استخرجنا ما فيه من القواعد والضوابط . وقبل أن أذكرها أنبه إلى أنها قليلة ، وفي معظمها تتصل بموضوع واحد ، ولكنها بينت لنا طريقة القاضي في استثمار القواعد والضوابط الفقهية :
1.( كل شيء حرمه الله – جل وعز – من القمار ، ومن البيوع الفاسدة ، فهو من أكل المال بالباطل ) .
ذكر القاضي هذا الضابط عند تفسير قوله ( يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) .
2 . ( كل ما نهى الله عنه كبير ) هذه قاعدة نقلها القاضي عن ابن عباس ، وقد مثل ابن عباس تطبيقا لذلك بقوله : وقد ذكرت الطرفة ، أي النظرة المحرمة .
ذكر القاضي ذلك في تفسيره قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) . وقد عدد الكبائر في آراء العلماء ، ثم جعل لها قاعدة تضبطها .
3 . ( لا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار ) وقد نقل هذه القاعدة عن ابن عباس كذلك .
4 . ( الكبائر : كل ذنب أدخل صاحبه النار ) وهذه القاعدة هي نص حديث رواه القاضي إسماعيل بسنده إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم .
5 . وقد نقل بسنده أيضا إلى سعيد بن جبير في ضبط الكبائر بأنها ( كل موجبة) . وعن الحسن :
6 . ( كل ذنب نسبه الله ـ جل وعز ـ إلى النار فهو كبير ) .
7 . ( بعض حروف الإضافة الأصلية قد تبدل من بعضها ) وهذا ضابط لغوي طبقه القاضي على بعض العبارات ، وذلك كقولنا رجع فيه ورجع عنه ، ونزلت به ، ونزلت عليه . ذكر ذلك عند تفسير قوله تعالى : ( ثم يعودون لما قالوا ) ، وجلب لتعضيدها آيات من الكتاب العزيز . منها قوله تعالى . ( فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ) وقوله ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) ، وقوله ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) . وقوله : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) وقوله : ( أم لهم سلم يستمعون فيه ) .
ثانيا : القواعد الفقهية عند الشيخ أبي بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري :
لم يصلنا إلى حد الآن ـ فيما أعلم ـ من مؤلفات الشيخ الأبهري ـ شيخ المدرسة العراقية المالكية في زمنه إلا قطعة هي عبارة عن شرح لجامع مختصر عبد الله بن عبد الحكم الكبير ، وسمعت أن الشرح كاملا موجود ، يعمل بعض أهل العلم على تحقيقه ، ومعلوم أن لابن عبد الحكم ثلاثة مختصرات كبير وأوسط وصغير . ولكن المدرسة المالكية في العراق اهتمت بالكبير والصغير .
وكان الأبهري ـ فيما ذكر مترجموه مغرما بقراءة هذه المختصرات إلى جانب المبسوط ومختصر البرقي والأسدية والموطأ ، فقد ورد عنه أنه قرأ المختصر الكبير لابن عبد الحكم خمسمائة مرة . كما كان مغرما بنسخ بعض كتب المالكية من الأسمعة وغيرها بخط يده . ومما نسخه المبسوط وأحكام القرآن ، كلاهما للقاضي إسماعيل بن إسحاق .
وقبل ذكر هذه القواعد والضوابط لابد من التنبيه على أن بعضها استخدام لمعنى القاعدة ، لا للفظها . ومما استخرجناه من كتابه ( شرح الجامع من مختصر ابن عبد الحكم ) الذي حققه الدكتور حميد لحمر وطبعته دار الغرب الإسلامي بيروت سنة 2004 م:
1 . ( العادة محكمة ) ، وقد استعملها المؤلف بالمعنى ، حيث بين أنه لا يجوز لأحد الانتفاع بمال غيره بغير إذنه ... ولا فضل [ هكذا في المطبوع بمعجمة ولعل الصواب : ولا فصل بمهمله ] بين القرط وبين التمر وغيره من الأموال، إلا أن يأذن في ذلك مالكه ، أو يعلم بالعادة والعرف أن ذلك مما يبيحه الناس، فيجوز له الانتفاع به بغير إذن صاحبه ؛ لأن إذنه قد تقدم ، وهو إباحته ذلك للناس وتركه لهم .
واستعملها أيضا في حكم شرب الماء وأكل الأقناء تكون المسجد ، حيث نقل أن مالكا قال فيه : لا بأس بذلك ، وبين الأبهري ذللك بقوله : " لأن الماء إنما يسقى ليشربه العطشان فقيرا كان أو غنيا ، وليس يراد به الفقراء ، فجاز ذلك للأغنياء ، هذا معروف في عرف الناس أنهم لا يريدون الفقراء لشربه ... وكذلك القناطر والجسور والمقابر وأشباه ذلك ـ إذا سبلت ـ يستوي فيها الفقير والغني ، وكذلك الأقناء ، وهي الثمار ـ إذا جعلت في المسجد ـ فإنما يراد بها أن يأكلها الناس فقيرا كان آكلها أم غنيا " .
2 . ( الدال على الخير كفاعله ) ، وهو نص حديث شريف . استدل الأبهري بذلك على من استشير في أمر من أمور المسلمين فأشار بأحد من أهل الصلاح والفضل فإن له أجراً لأنه أعانة على ما فيه خير ، قال الأبهري : " ودلالته على أهل الخير ليستعان بهم في أعمال المسلمين معروف وفعل خير، وقد يجوز أن لا يقدر المشير على العمل بنفسه ؛ لأنه يضعف عنه فيجب أن يشير بغيره إذا عرفه" .
3. (ما كان محظوراً جاز للضرورة) وهي نفس قاعدة الضرورة تبيح المحظورة ، وهذه قاعدة متفق عليها بين الفقهاء ، وقد استدل بمعناها في مواضع من شرحه ، فمن ذلك : " فلا يجوز للمسافر ولا لغيره أن يأخذ ثمر غيره وزرعه، ولا يأكله إلا من ضرورة ، ويدل على ذلك ما قاله مالك أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لما مَنَعَ أن يحلب الإنسان ماشية غيره بغير إذنه -واللبن طعام مع سرعة عودته ، كان الثمر أولى أن لا يؤخذ – إذا كان لغيره – بغير إذنه ، مع طول مدة عودة مثله " . وذكرها مرّة أخرى عند شرحه لقول ابن عبدالحكيم إن مالكاً سئل عن لبس الخاتم في الشمال وهو يستنجي به؟ فأجاب بأنه يرجو أن يكون خفيفاً ، قال الأبهري : " إنما قال ذلك ؛ لأن نزعه خاتمه كلما أراد أن يبول ، أو يستنجي يشق عليه، فجاز له أن يستنجي بيده ، فإن (كذا في المطبوع ، والصواب : وإن ) كان فيها خاتم فيه ذكر الله تعالى للحاجة إلى ذلك، ألا ترى أن النبي – صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو ، وقد كتب إليهم كتباً فيها يسير من القرآن، فجاز للضرورة إليه ، فكذلك هذا " .
وعكس هذه القاعدة أعني عندما لا تكون ضرورة يرجع المنع ، قال الأبهري أثناء حديثه عن منع الإمام مالك لبس الخاتم يجعل فيه المسمار من الذهب في فصه :
" إنما قال ذلك ؛ لأنه لا ضرورة به إلى لبس الذهب أو شيء فيه الذهب ، وذلك مكروه له؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نهى الرجل عن لبس الذهب والحرير ، فنبذ خاتم الذهب . وذكر المنع أيضاً في موضع آخر قائلاً : " لا يجوز لأحد أن يأخذ مال غيره بغير حق وجب عليه إلا بإذنه ".
4. ( يكره الاقتداء بفعل الأعاجم في كل شيء).
5. ( يستحب الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في كل شيء).
ذكر هاتين القاعدتين عند حديثه عن كراهة مالك اتخاذ المهاميز للدواب؛ معللاً ذلك بأنه يضر بها ويؤذيها، ولا ضرورة به إلى فعله فكره ذلك له ، لجواز أن يخرق ذلك بعض جسدها ، وذلك مكروه ، ثم عضد ما ذكره بقوله : " ولم يكن لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا لأصحابه مهاميز يحركون بها دوابهم، وإنما ذلك من فعل الأعاجم " .
وفي موضع آخر علل بتلك القاعدة ، وذلك في قوله :" إنما كره لبس خاتم الحديد ؛ لأن ذلك من فعل الأعاجم، فيكره الإقتداء بهم " .
وذكرها في كراهة لبس الرجل القباء معللاً ذلك بأنه " ليس من زي العرب ، بل هو من زي الأعاجم ، ويكره التزي بزيهم" .
وذكرها في كلامه عن كراهة أكل الرجل وهو متكئ قائلاً : " وذلك من فعل الأعاجم وأهل التكبر والتجبر " ، ثم دلل على ذلك من السنة بقوله – صلى الله عليه وسلم - : ( أما أنا فلا آكل متكئاً) .
6. (حرمته (المسلم) ليست بأولى من حرمة المسلم) ذكر ذلك عند تساوي الضررين في الإكراه ، وكأنها بمعنى قاعدة (لا يزال الضرر بمثله) ، قائلاً : " فيجب عليه أن يصبر على ما يلحقه من المكروه ..... فلا يجوز له أن يهتك حرمة غيره ، ويبطل حقه في مال أو دم أو عرض بحفظ حرمته بذلك " .
7. (كل ما جرى مجرى السرف فهو مكروه) ذكر هذه القاعدة بالمعنى أثناء حديثه عن كراهة مالك النوم بعد صلاة الصبح ، معللاً هذه الكراهة بقوله : " لأن فعل هذا يجرى مجرى السرف .... مستثنياً من ذلك صورة واحدة : إلاّ أن يكون من يصلي الليل ، فيجوز له أن ينام إذا أصبح " .
8. (تكليف الرقيق والأحرار من العمل ما لا يطيقون ظلم) ، ذكر ذلك أثناء حديثه عن منع الحمل على الدواب ما لا تطيقه معللاً ذلك بالقاعدة المذكورة ، موجباً على إمام المسلمين أن يزيل الظلم عن الناس كلهم وعن الدواب " .
9. (كل ما كان على وجه القربة إلى الله – عز وجل – جاز ) ، ذكر ذلك عند حديثه عن تقبيل يد الغير.
10. (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، استشهد بذلك عند كلامه عن كراهة مالك معانقة الرجل للرجل ، وقد نسبه لابن مسعود رضى الله عنه ، والمعروف أن هذا اللفظ ورد مرفوعاً.
11. (أي إهاب دبغ جاز الانتفاع به) ، ذكر ذلك في شرحه لباب الركوب على جلود السباع ، وقد قيد هذا الضابط بقوله: " إذا كان ممن تقع الذكاة فيه إذا كان حياً " . وهذا الضابط مأخوذ من قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : (إذا دبغ إهاب فقد طهر) وقد ورد بألفاظ أخرى متقاربة.
12. (الذكاة أقوى من الدباغ):
قال الأبهري: " وأما السباع ففيها الذكاة بدلالة أنه لما جاز الانتفاع بها في حال حياتها بالبيع وغيره ، جاز أن تذكى لينتفع بجلدها من غير دباغ ". ثم علل ذلك بالضابط المذكور قائلاً: " إذا كانت الذكاة تبيح الأكل ... وليس كذلك الدباغ ؛ لأنه لا يبيح الأكل بوجه، فلما كان الدباغ يجوز الانتفاع بجلود السباع – عند مخالفينا- وهو أضعف من الذكاة، كانت الذكاة أولى أن تبيح ذلك؛ لأنها أقوى من الدباغ" .
ثم عقب ذلك بضابط مدللاً به على عدم جواز دبغ جلد الخنزير قائلاً:
13. "ما جاز أن يدبغ جلده جاز أن يذكى، وما جاز أن يذكى جاز أن يدبغ جلده" .
14. (إذا كنت في أمرين – أنت من أحدها في شك – فخذ بالذي هو أوثق) ، نقل هذه القاعدة عن الإمام مالك فيما رواه ابن وهب عنه ، ودلل الأبهري عليها بقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، وذيل الأبهري كلامه بضابط آخر هو:
15. ( ينبغي للإنسان أن يأخذ بالأوثق في أمر دينه، والأيسر في أمر دنياه ) .
ثالثا : القواعد والضوابط الفقهية والأصولية عند ابن خويز منداد
لم يصل إلينا شيء _ حسب علمي _ من تآليف هذا الفقيه الأصولي الذي يعتبر من أئمة المدرسة المالكية في العراق إلا ما تناثر في الكتب التي نقلت عنه آراءه في التفسير والحديث والأصول ، حيث جمع منها بعض الباحثين ما يصلح لإعطاء فكرة عن بعض هذه الآراء . فأحببت أن أشير إلى نماذج من ما ذكره من القواعد والضوابط ، وكيف استثمرها فقهيا ، اعتماداً على ما جمع من تفسيره من كتب التفسير المختلفة ، حيث قام بهذا الجمع الدكتور عبد القادر محجوبي في نطاق أطروحة علمية ، ونشرته دار ابن حزم سنة 2009 م في طبعته الأولى ، وهذه هي أهم ما أمكنني استخراجه من المطبوع :
1. (كل من كان ظالماً لم يكن نبياً ولا خليفة ولا حاكماً ولا مفتياً ولا إمام صلاة)، ذكر هذه القاعدة أثناء تفسيره لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين ) ، وزاد عليها عدم قبول روايته وشهادته . لكن إن ولي شيئاً من ذلك فأصاب فيه فلا ينقض .
أقول : ويمكن أن تصاغ هذه القاعدة بأخصر من ذلك ( تشترط العدالة فيمن يتولى أمراً من أمور المسلمين) .
2. ( أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة له ثلاثة أحوال : جائز مطلقاً ، وممنوع مطلقاً ، وجائز للمضطر ) ، وقد فصل هذه الأقسام الثلاثة ، وحاصل ما قاله : إن كان جميع ما بأيديهم مأخوذاً على موجب الشريعة فجائز أخذه ، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره . وإن كان مختلطاً حلالاً وظلماً فالورع تركه ويجوز للمحتاج أخذه ، وهو كلص في يده مال مسروق ومال جيد حلال ، فجاء اللص يتصدق به على إنسان ، فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة ، وإن كان قد يجوز أن يتصدق اللص ببعض ما سرق إذا لم يكن شيء معروف بنهب ، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحاً لازماً ، وإن كان الورع التنزه عنه . ثم ذكر ضابطاً آخر محتجا به وهو :
3. ( الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها ) .
4. ( اليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع ) ، ذكر المؤلف ذلك في تفسير قوله تعالى : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) .
وقد وجه القرطبي ما ذكره المؤلف قائلاً : هذا جواب على إحدى الروايتين ، وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام ، ونفى ما نقل أن الصحابة أكلت جبنا محمولا من أرض العجم قبل انتشار الإسلام في تلك البلاد .
5. ( معفو عما تعم به البلوى ) وطبق المؤلف هذه القاعدة على الدم في اللحم وعروقه ويسيره في البدن والثوب . واستدل لذلك بما روته عائشة – رضي الله عنها – قالت : " كنا نطبخ البرمة – على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره ) .
6. ( الإصر والمشقة في الدين موضوع ) ، وهذه القاعدة في معنى القاعدة الشرعية ( نفي الحرج ) وفي معنى قاعدة ( المشقة تجلب التيسير ) ، وقد طبقها المؤلف على بعض الفروع قائلاً : " وهذا أصل في الشرع أنه كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه ، وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ، ألا ترى أن المفطر يأكل الميتة ، وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك .
7 . ( الأكل عند الاضطرار الطائع والعاصي فيه سواء ) ذكرها في تفسير قوله تعالى ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) . وبرر ذلك بأن الميتة يجوز أكلها في في السفر، والحضر ثم قال : ( وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم ، بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما ، وليس كذلك الفطر والقصر ؛ لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه ؛ لأن الرخصة تختص بالسفر ؛ ولذلك قلنا إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية ؛ لأن التيمم في الحضر والسفر سواء ، وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها ، وفي تركه الأكل تلف نفسه ، وتلك أكبر معصية ، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة . أيجوز أن يقال له : ارتكبت معصية فارتكب أخرى ! أيجوز أن يقال لشارب الخمر : ازن ، وللزاني : اكفر ، أو يقال لها : ضيعا الصلاة ! ) .
8 . ( الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد ) ، دلل المؤلف على هذه القاعدة بأن من عليه زكاة أو كفارة يجوز أن يؤدي عن غيره ، وإن لم يؤد عن نفسه ، وقاس المؤلف ذلك على الأمور الدنيوية ، وذكر أن من لم يتزوج يجوز له أن يزوج غيره . مستندا على قاعدة أخرى هي :
9. ( من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره في مثلها ).
10. ( كل من وضع المرأة في وضع حسن فهو وليها ) ، نقل المؤلف هذا الضابط رواية عن الإمام مالك ، مبيناً أنه يشمل العصبة وذوي الأرحام أو الأجانب أو الإمام أو الوصي، ثم ذكر رواية أخرى عن مالك بأن هذا الضابط خاص بالعصبة ولا يشمل غيرهم، نقل كل ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن...".
11. ( عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلاً فاسداً رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل).

وهذه القاعدة نقلها المؤلف عن الإمام مالك أيضاً أثناء تفسير قوله تعالى: "فلا جناح عليهما فيما افتدت به" وهي موافقة لمذهب الشافعي الذي يقول أن الخلع بالغرر ينفذ فيه الطلاق ويلزمها البدل.
أقول: مشهور مذهب مالك أن الخلع بالغرر يقع به الطلاق وهو جائز فإن سلم هذا الغرر فهو للزوج، وإن لم يسلم فلا شيء له، أي لا يلزمه البدل.

12. (كل عرض جاز بيعه جاز رهنه) هذا الضابط ذكره المؤلف عند تفسير قوله تعالى: "فرهان مقبوضة" ، واستدل به على جواز رهن ما في الذمة؛ لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع به الوثيقة فجائز أن يكون رهناً قياساً على سلعة موجودة.
13. ( أمور المسلمين محمولة على السلامة والصحة ) ، ذكر المؤلف هذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ( يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ) ، وجلب لها أمثلة تطبيقية قائلاً: "ولذلك قال بعض أصحابنا متى قدم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا؟ أو عرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو؟
14. ( من فعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه لزمه ذلك، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر) ، ذكر المؤلف هذه القاعدة عند تفسير قوله تعالى: ( ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ) . قال المؤلف: "متى قال الإنسان: من جاء بعبدي الآبق فله دينار. لزمه ما جعله فيه إذا جاء به، فلو جاء به من غير طمأن لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة ".
15. (الأيمان تخص بالعرف) ، ذكر هذا الضابط عند تفسير قوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ).
ومن تطبيقاته التي ذكرها المؤلف: " لو حلف أن لا ينام على فراش، فنام على الأرض لم يحنث ، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث، وإن كان الله –تعالى- قد سمى الأرض فراشاً والشمس سراجاً ".
16. ( الضرورات والأعذار ترفع الأحكام)، ذكر هذه القاعدة عند تفسير قوله تعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراجاً جميلاً"
دلل المؤلف بهذه القاعدة على من عمم تعليق الطلاق قائلاً: كل امرأة تزوجها فهي طالق أنه لا يلزمه الطلاق؛ لأنه ضيق على نفسه المناكح، فلو منعناه ألا يتزوج لحرج وخيف عليه العنت ".
أقول: وهذه القاعدة تتصل بقاعدتين هما : الضرورات تبيح المحظورات ، وقاعدة المشقة تجلب التيسير.
17. (كل دم أريق بواجب لا يجوز الاشتراك فيه)
18. (لا يجوز الجمع بين ما فرقت السنة)
ذكر هاتين القاعدتين بالمعنى عند حديثه عن عدم جواز الاشتراك في البدنة والبقرة ، ونقل إجماعهم على أنه لا يجوز الاشتراك في الكبش الواحد، فكذلك البدنة والبقرة، نقل كلامه هذا ابن عبد البر .
19. (الذمم على البراءة) ذكر ذلك أثناء حديثه عن حكم النكاح فقال : " ربما تعين فرض النكاح على الإنسان إذا خاف العنت ولم يجد ما يتسرر به ، وهو قادر على النفقة والمهر ، وقد ذيل هذه القاعدة بقوله، (فمن أراد إلزامها فعليه الدليل).
20. (كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده).
21). ( كل من أوجب عليك الدليلُ اتباع قوله فأنت متبعه ).
22. (الاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع).
ذكر هذه القواعد الثلاثة في معرض تعريفه بالتقليد ... وهي قواعد مفيدة جداً في الفصل بين الاتباع والتقليد ؛ ولذا نقله ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" .
رابعا : القواعد والضوابط عند ابن القصار
وصل إلينا من مؤلفات ابن القصار جزء كبير من كتابه الكبير "عيون الأدلة" ومقدمته ، وقد طبعت المقدمة ثلاث طبعات ، كما طبع كتاب الطهارة في ثلاثة أجزاء حققها الدكتور عبد الحميد بن سعد بن ناصر وطبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة2006م.
ونظراً لضخامة الأجزاء المطبوعة وضيق الوقت اخترت ثلاث قواعد لتكون نموذجاً لاستثمار القاضي ابن القصار لها.
وهذه القواعد هي :
1. (العموم يكون في الألفاظ لا في المضمرات).
2. ( يتنافى وجود الكمال مع نفي الأجزاء ) .
ذكر ابن القصار هاتين القاعدتين في مسألة حكم التسمية أول الوضوء عند كلامه عن حديث (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) .
قال ابن القصار وهو يبرهن على أن المراد بالمنفي في الحديث الحكم ، وليس هو مذكوراً في اللفظ ، والحكم يحتمل أن يكون هو الإجزاء ، ويحتمل أن يكون الكمال، ونفى أن يدعى فيه العموم ، مستدلاً على ذلك القاعدتين المذكورتين.
3. (الأفعال تفتقر إلى النية والترك لا يفتقر إليها).
ذكر المؤلف هذه القاعدة عند حديثه عن المتفرقة بين طهارة الحدث تحتاج إلى نية، وإزالة الخبث لا تحتاج إليها ، حيث قال:
" وأيضاً فإن إزالة النجاسة طريقها الترك، والطهارة طريقها الفعل ؛ لأنه قيل له؛ صل وأنت تارك للنجاسة ، وصل وأنت متطهر ... وبعد أن استدل لذلك بالقاعدة المذكورة قال : لأن الكلام في الصلاة مأمور بتركه فلم يفتقر إلى نية ، والركوع والسجود مأمور بفعلهما فاحتاجا إلى نية تعم جميع أفعال الصلاة " .


خامسا : القواعد الفقهية عند القاضي عبد الوهاب البغدادي
وقد اعتمدت في استخراج هذه النماذج من القواعد على شرح القاضي عبد الوهاب، وهو شرح لا يزال مخطوطاً ، ولم يطبع منه إلا قطعة صغيرة ، وأنا أعمل على تحقيقه ، وفق الله لإتمامه إنه سميع قريب.
1. ( ما جرى به العرف فهو كالمشترط ) ذكر ذلك في كلامه عن إرضاع المرأة غير الشريفة ولدها جبرا .
2. ( كل دعوى ينفيها العرف أو تكذبها العادة فإنها غير مقبولة ) ذكر ذلك عند كلامه عن اعتبار الحيازة.
3. (العرف أصل يرجع إليه في المعاملات)
وبين بعض التطبيقات لذلك فقال : " من ذلك أنه يرجع إليه في العقود والسير والحمولة ومتاع البيت وغير ذلك "
4. ( مسألة الخلاف لا يصح بها الاستشهاد ) .
5. ( المذهبان إن اتفق الخصمان على أن لا واسطة بينهما كان فساد أحدهما دالاً على صحة الآخر) .

6. ( ما منع حسماً للباب عم قليله وكثيره ) ، ومثل لها بشهادة الأب لابنه للتهمة تمنع ولو لم تكن تهمة .
7. ( الحقان إذا تعارضا وكان أحدهما يؤدي إلى تصحيح العقد، والآخر يؤدي إلى فسخه ، كان تقديم ما يؤدي إلى تصحيحه أولى ) .
وهذه القاعدة هي التي اختصرها الفقهاء فيما بعد بقولهم (الأصل في العقود الصحة).
8. (يصار إلى القيمة عند تعذر المثل من طريق الخلقة) .
9. (النهي يدل على الفساد) .
وقد طبق عليها المؤلف مسألة من حلف أنه يهودي أو نصراني أو قال : أشركت بالله ، فلا يلزمه شيء إلا الاستغفار ؛ لأن هذه الأمور فاسدة ؛ لأن الشرع نهى عنها.

الخاتمة
وبعد هذه الجولة مع أئمة المدرسة المالكية بالعراق تبين لنا أنهم يحتجون بالقاعدة الفقهية ، ويستثمرونها في التدليل على كثير من مسائل الفروع.
والمسألة ـ في ظني ـ تحتاج إلى العناية من الباحثين حتى نتوصل إلى منهاج متكامل لها ، وذلك بتتبع كل المؤلفات المتوفرة لاستخراجها القواعد الفقهية منها مع دراستها دراسة موعبة، والأمل كبير أن يقوم بذلك بعض الباحثين ممن هو أهل لذلك ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مصادر البحث
 القرآن الكريم برواية قالون عن نافع .
 أحكام القرآن للقاضي إسماعيل بن إسحاق تحقيق عامر حسن صبري دار ابن حزم بيروت ط1 1426 هـ 2005 م .
 الأشباه والنظائر لابن السبكي.
 ترتيب المدارك للقاضي عياض تحقيق جماعة، من العلماء، طبعة وزارة الأوقاف المغربية.
 تفسير ابن خويز منداد جمع وتوثيق عبد القادر محجوبي دار ابن حزم بيروت ط1 1430 هـ 2009 م .
 التمهيد لابن عبد البر، تحقيق جماعة من العلماء طبعة وزارة الأوقاف المغربية.
 شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب (مخطوط).
 شرح الشيخ أبي بكر الأبهري لكتاب الجامع لعبد الله بن عبد الحكم تحقيق حميد لحمر دار الغرب الإسلامي بيروت ط1 1425 هـ 2004 م .
 عيون الأدلة لعلي بن عمر المعروف بابن القصار دراسة وتحقيق عبد الحميد بن سعد بن ناصر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض ط 1 1426 هـ 2006.
 لسان العرب لابن منظور، طبعة دار بمصر .
 القواعد الفقهية ليعقوب الباحسين ، دار الرشد الرياض ط2 ـ 1420هـ 1999 م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
(الاستدلال بالقواعد الفقهية في اجتهادات المدرسة المالكية بالعراق) للأستاذ الدكتور حمزة أبو فارس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: الوحدات الأساسية :: القواعد الفقهية-
انتقل الى: