منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 فقه الربا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
adile haloul

avatar

عدد المساهمات : 37
تاريخ التسجيل : 19/10/2010
العمر : 37
الموقع : البيضاء

مُساهمةموضوع: فقه الربا    الأربعاء يناير 18, 2012 10:30 am



تقديم:
بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه..
هذا عرض موجز حول الربا، و هذا تصميمه:

المبحث الأول: تعريف الربا و أقسامها
المطلب الأول :تعريف الربا
المطلب الثاني: أقسام الربا
المبحث الثاني :أدلة تحريم الربا
المطلب الاول: سرد أهم الادلة
المطلب الثاني : دراسة نصوص الربا في القرآن الكريم
المطلب الثالث :دراسة نصوص الربا من السنة
المبحث الثالث :القرض في القانون الوضعي
المبحث الرابع: أدلة من استحل بها ربا المصارف
خاتمة




المبحث الأول: تعريف الربا و أقسامها
المطلب الأول :تعريف الربا
تعريف الربا لغة:
أما الربا، موضوعنا، فإن معناه اللغوي الذي كانت العرب تفهمه قبل الإسلام فهو الزيادة والنماء، وكذا العُلوّ. ( ) يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد، فرَبا الجرحُ والأرض والمال، إذا زاد.( ) ويقال: ربا السويق ونحوه ربواً إذا صُبّ عليه الماء فانتفخ. ( ) ويقال: ربّاه تربية وتربّاه إذا غذّاه، لأنه إذا ربا نما وزاد، وهذا لكل ما ينمو كالولد والزرع.( )
والرَّبو: علو النَفَس، يقال: ربا من باب عدا إذا أخذه الربو. والرابية والربوة بفتح الراء وكسرها والرباوة: المكان المرتفع. ويقال: فلان في ربا قومه. يراد أنه في رفعة وشرف.( )
والربا أيضاً في اللغة: الزيادة في المال. ويقال فيه الرماء أيضاً.( )
وقد جاء التنزيل ببعض ما تقدم من معنى الربا وهو الزيادة، والنماء، والعلو، ففي سورة فصلت: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرى الأرضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيها المَاءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ}( ) أي ارتفعت بسبب نزول الماء وحركة النبات ونموّه.( )
وجاء في سورة الحاقّة: {فَعَصُوا رَسَولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهمْ أَخْذَةً رَابِيةً}( ) أي شديدة زائدة.
وجاء في سورة المؤمنون: {وَجَعلْنَا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوينَاهُمَا إِلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}( ) وقد قيل بأن الربوة المقصودة في الآية الكريمة هي أرض فلسطين، وقيل: هي دمشق، وقيل: هي بيت المقدس.( )
وجاء في سورة النحل: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}( ) أي أكثر عدداً، أو عُدّة.( )
وفي سورة البقرة: {وَيُرْبي الْصَّدَقَاتِ}( ) أي ينميها ويزيدها.( )
فالزيادة في المال أحد المعاني اللغوية للربا، وهذا جوهر المعنى الاصطلاحي للربا .

الربا شرعاً (اصطلاحاً):
يمكن تعريف ربا النسيئة بأنه التأخير الحاصل في قبض أحد المالين الربويين.
أما ربا الفضل فيمكن تعريفه بأنه الزيادة الحاصلة في أحد المالين الربويين المتحدين جنساً.
المطلب الثاني: أقسام الربا
- ربا النسيئة: وهو الزيادة التي يأخذها البائع من المشتري مقابل التأجيل كأن يعطيه ألفاً نقداً على أن يرده عليه بعد سنة ألفاً ومائة مثلاً.
ومنه قلب الدين على المعسر، بأن يكون له مال مؤجل على رجل، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، فيتضاعف المال في ذمة المدين، وهذا هو أصل الربا في الجاهلية، فحرمه الله عز وجل، وأوجب إنظار المعسر، وهو أخطر أنواع الربا، لعظيم ضرره، وقد اجتمع فيه الربا بأنواعه: ربا النسيئة، وربا الفضل، وربا القرض.
-ربا الفضل: وهو بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام مع الزيادة، وهو محرم، وقد نص الشرع على تحريمه في ستة أشياء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد.
-ربا القرض: وصفته أن يقرض الإنسان أحداً شيئاً ويشترط عليه أن يرد أفضل منه، أو يشترط عليه نفعاً ما، نحو أن يسكنه داره شهراً مثلاً، وهو حرام، فإن لم يشترط وبذل المقترض النفع أو الزيادة بنفسه جاز وأُجر.
المبحث الثاني :أدلة تحريم الربا
حرمة الربا (بمفهومه العام): حرمة الربا ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع:
المطلب الاول: سرد أهم الادلة
فمن الكتاب:
قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا }.( )

ومن السنة:
- قوله صلى الله عليه وسلم: ((اجتبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)).( )
الإجماع:
قال النووي : (أجمع المسلمون على تحريم الربا، وأنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرماً في جميع الشرائع).( )
المطلب الثاني : دراسة نصوص الربا في القرآن الكريم

جاء ذكر الربا في القرآن الكريم في أربعة مواضع، نذكرها بحسب ترتيب النزول:
الموضع الأول: قوله تعالى: {وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رِبَاً لِيَرْبُوَ في أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}.( )
هذه الآية من سورة الروم، وهي سورة مكية، ومعلوم أن القرآن المكي عُني بجانب العقيدة أكثر من عنايته بالجوانب الأخرى، فالإشارة إلى الربا في القرآن المكي دليل على خطر الربا وأهميته.
يذكر غالب المفسرين أن الربا المقصود هنا هو الفضل في العطية أو الهدية، يقدمها الواهب يبتغي بها فضلاً يناله فوق ما قدم، فيكون الربا هنا مستعملاً بمعناه اللغوي، وهو الزيادة.
وتدل الآية بالمعنى المتقدم للربا على أن العطية التي يمنحها الإنسان بقصد الثواب والفضل الدنيوي لا أجر لها عند لله سبحانه وتعالى، بل الثواب والأجر في الصدقة المبتغى بها وجه الله جلّ وعلا.
وهذا المعنى يتضمن أن العطية التي يقصد بها الزيادة حلالٌ أخذها ولكن لا أجر عليها، يقول ابن عباس فيما يرويه عنه ابن كثير: (الربا ربوان، فربا لا يصح، وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها).( )
الموضع الثاني: قوله تعالى: { فَبِظُلمٍ مِنَ الَّذينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَليِهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرَاً. وَأخْذِهِمُ الِّربَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَأعْتَدْنَا لِلْكَافِرينَ مِنْهُمْ عَذَابَاً أَليمَاً}.( )

تبين هاتان الآيتان أن تحريم بعض الطيبات على اليهود كان سببه صدهم الكثير عن سبيل الله، وأخذهم للربا مع أنهم منهيون عنه، وتعديّهم على أموال الناس. فالربا كان محرماً عليهم إذاً، لكنهم أخذوه؛ ويذكر ابن كثير هنا أن أخذهم للربا كان بأصناف من الحيل.( )
وقد ورد فيما بين الناس اليوم من أسفار الله تعالى أعلم بصحتها عبارات مثل (لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام، أو ربا شيء مما يقرض بربا، للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا).( )
الموضع الثالث: قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا الِّربَا أَضْعَافَاً مَضَاعَفَةًً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ }.( )
الآية نص في تحريم الربا، بل تشنع أمر الربا وتنفّر النفوس منه، وذلك حاصل بالنهي الصريح وبلفظ الأكل، فالأكل هنا يدل على جشع ولؤم واعتداء على حق آخر.
ولم نرَ هذا اللفظ مستعملاً في الآيات التي ذكرت الربا من قبل، فالأولى { وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رِبَاً لِيَرْبُوَ في أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ } قد جاءت بلفظ الإيتاء، وهو اللفظ ذاته الذي ورد في الزكاة في نفس الآية { وَمَا آتَيتُمْ مِنْ زَكَاةٍ }، فليس في هذه الآية، إن كان فيها تحريم، ذلك الاستنكار الذي نجده في الآية التي معنا من سورة آل عمران؛ وأما الثانية {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نهُوا عَنْهُ} فقد جاءت بلفظ الأخذ، وليس فيه ما في لفظ الأكل من الشدة.
وثمة أمر يوقف الناظر في أمر الربا وتحريمه في القرآن الكريم، وهو السؤال عن فائدة قيد (أضعافاً مضاعفة)، هل هو قيد للاحتراز؟ أي فيكون المنهي عنه هو ما جرى من الربا أضعافاً مضاعفة_ ومضاعفة تحتمل التوكيد وتحتمل أن الأضعاف الأولى مضاعفة أيضاً_ أم هو قيد لفائدة أخرى لا للاحتراز؟ أي على نحو ما نجد في قوله تعالى في معرض تعداد المحرمات على الرجال {وَرَبَائِبُكُمُ الْلاتِي في حُجُوِرِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الْلاتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيكُمْ}( )، فإن هذا القيد إنما هو مخرّج مخرج الغالب، لأن الغالب أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها؛ ولو كان هذا القيد للاحتراز، لكانت ابنة الزوجة التي لا تنشأ في بيت زوج أمها حلالاً للزوج، وهو ما لا يقول به أحد.( )
الموضع الرابع: قوله تعالى: {الَّذينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُه الشَّيطَانُ مِنَ المسِّ ذَلِكَ بِأَنهمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ ربِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبي الصَّدَقَاتِ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ لهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَقُوا اللهَ وَذَروا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتمْ فلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظلِمُونَ وَلا تُظلَمُونَ }.( )
نجد في الآيات السابقات مواضيع عدة منها:
- عقوبة آكلي الربا.
- التفريق بين الربا والبيع.
- النص على تحريم الربا بإطلاق، ما لم ينشأ منه وما أنشئ منه ولم يقبض.
- إنظار المعسر.
المطلب الثالث :دراسة نصوص الربا من السنة
أولاً_ الأحاديث الواردة في ربا الديون:
لا نجد كثيراً من الأحاديث في ربا الديون، وأهم حديث من هذا الصنف خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فقد جاء فيها فيما رُوي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: ((ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون)).( )
ثانيا : الأحاديث الواردة في ربا البيوع:
الأحاديث الواردة في ربا البيوع كثيرة، وهو ربا لم يكن مشمولاً باسم الربا قبل مجيء النص فيه، وأشهر الأحاديث الواردة فيه:
-حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وهو أشهر حديث في باب الربا، قال عبادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)).( )
- حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب ربا إلا هاءً وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء)).( )
- حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا)).( )
المبحث الثالث :القرض في القانون الوضعي
يُسمى قانوناً المال الذي يدفعه الدائن إلى المدين ويأخذ عنه ربا قرضاً، ويسمى الربا المأخوذ فائدةً، وقد يكون المصرف هو الآخذ للفائدة، وذلك في صور الائتمان الذي يقدمه للعميل. وسنتعرف فيما يلي على عناصر هذه العملية وأهم القوانين التي تحكمها:
تعريف القرض: يعرف القرض قانوناً بأنه: عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود، أو أي شيء مثلي آخر، على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته.( )
تعريف الفائدة: زيادة مال عن الدين يدفعها المدين إلى الدائن مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء.
أو هي: الثمن الذي يدفعه المقرض إلى المقترض مقابل استنخدام النقود.
ويُتفق عادة على سعر لذلك الثمن أو الزيادة غالباً ما يعبر عنه بنسبة مئوية من أصل القرض أو الدين، ويطلق على السعر الذي يتفق عليه اسم سعر الفائدة أو معدل الفائدة.( )
ونرى هنا تطابق مضمون هذا التعريف مع ربا القرض في الإسلام، فهو كذلك يمكن أن يقال فيه بأنه زيادة مال عن الدين يدفعها المدين إلى الدائن مقابل احتباس الدين إلى تمام الوفاء. وهذا التعريف يشمل حالات ربا القروض، وهو محل ربا الجاهلية الذي ساد قبل الإسلام، إذ إن جوهر هذا التعريف مقابلةُ المال بالأجل بعد ثبوت المال في الذمة، وذلك حاصل في جميع أنواع ربا الجاهلية التي سبق الحديث عنها.

أنواع الفائدة المفروضة على القروض:
نجد عند القانونيين التقسيم التالي للفائدة:
الفوائد التأخيرية: وهي الفوائد النقدية التي تستحق عند تأخر المدين في وفاء دينه. وهنا ينص القانون على أن هذه الفائدة مستحقة على المدين بمجرد التأخر، لأن هذا التأخير يلحِق الضرر بالدائن،ولا حاجة لأن يثبِت الدائن هذا الضرر، ولا يمكَّن المدين من أن ينفي وقوعه.
الفوائد التعويضية: وهي التي يلتزم بها المدين تجاه الدائن في مقابل انتفاعه بالدين. وأكثر ما يكون ذلك في القرض، وقد يكون في عقد البيع حين يتفق المشتري مع البائع بعد البتِّ في الثمن على تأجيله لوقت معين، مقابل فوائد يدفعها المشتري.
وقد تنقلب الفوائد التعويضية إلى تأخيرية، وذلك كحالة أن لا ينقد المشتري الثمن في الحالة السابقة، فيمتد الأجل مع ثبوت مقدار الفائدة السابق، فتصير تلك الفوائد تأخيرية بعد أن كانت تعويضية، نظراً لحصول التأخر في نقد الثمن.( )
فالفوائد التعويضية هي تعويض عن انتفاع المدين بالمال، والفوائد التأخيرية هي جزاءٌ على المدين لتأخره في سداد الدين.
والملاحظ أن تسمية النوع الثاني من الفوائد بالتعويضية يشير إلى أنها مقابلة بانتفاع يكون من المدين بالدين، ولكن هذا النفع ليس واقعاً دوماً، فقد لا ينتفع به المدين ومع ذلك تستحق عليه الفوائد، مما يعنى بالنتيجة أن تملك الفوائد التعويضية مقابل بتمكين المدين بالانتفاع لا بالانتفاع فعلاً.






المبحث الرابع: أدلة من استحل بها ربا المصارف( )

ثارت في العقود الأخيرة من هذا القرن شُبهٌ كثيرة في أمر الربا، ارتبطت بظهور المصارف التي عظُم موقعها في الاقتصاد الحديث؛ ولما كانت هذه المصارف ربوية المنشأ والتعامل، وكان لها تلك الأهمية، فقد دفع ذلك بعض أبناء هذه الأمة لإعادة النظر في أمر الربا، ومحاولة تلمس السبل لتطويع الشريعة لأنظمة تلك المصارف مستندين إلى أفكار ورؤى مختلفة، منها تغير ظروف التعامل: فقد أصبح التعامل اليوم مع مؤسسات لا أفراد، ولم يعد المقرض ذلك الضعيف، بل أضحى شخصاً قوياً يحتاط مقرضه منه. ومنها فكرة التعويض عن خسارة القرض، وغير ذلك كثي،ر وهو ما سنعرض له ليتبين واضحاً. ولدى استقراء مجمل الآراء التي توصل إليها أولئك في أمر ربا المصارف يتبين أن أهمها ما يلي:
- المحرم هو الكثير من الربا دون القليل منه، أو أنه يتجاوز في القليل من الربا.
- المحرم هو القرض الذي يبتغى منه سد حاجات يومية ضرورية من أكل وملبس ونفقات، وهو ما يسمى بالحاجات الاستهلاكية، دون القرض المبتغى منه صرفه في أمور استثمارية إنتاجية.
_ الربا المحرم هو الذي يفرضه المصرف حال تأخر المدين أو عجزه عن السداد؛ أما الربا الذي يكون ابتداءً حال إنشاء عقد القرض، فليس محرماً.
_ يستباح ربا المصارف ليكون تعويضاً عن انخفاض القوة الشرائية لعملة القرض.

الشبهة الأولى: المحرم من الربا هو الكثير منه دون القليل، أو يتجاوز في القليل:
سبق بعض ما يمكن أن يكون رداً على هذه الحجة حين ذكر تفسير الآية رقم (130) من سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا الِّربَا أَضْعَافَاً مَضَاعَفَةًً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُونَ} فقد تقدم القول بأن هذا القيد: {أَضْعَافَاً مُضَاعَفَةً} ليس قيداً احترازياً حتى يُفهم أن المحرم هو القليل غير المضاعف من الربا، وإنما هو مُخرّج مخرَج الغالب أو استهجانِ ما كانت العرب تفعله آنئذ، فيبقى الحكم في الربا على عمومه من شمول القليل والكثير.( )
وعلى فرض التسليم بأنه قيد احترازي، فإن ثمة ما هو صريح غاية الصراحة في معارضة المعنى الحاصل حينئذ، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَقُوا اللهَ وَذَروا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتمْ فلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظلِمُونَ وَلا تُظلَمُونَ}( )، فهاتان الآيتان تمنعان أخذ أدنى زيادة على رأس مال الدين، وهما كما سبق من جملة الآيات التي تُعدُّ آخر ما نزل من القرآن الكريم.
الشبهة الثانية: المحرم هو القرض لأغراض الاستهلاك لا الإنتاج:
مبنى هذا القول على أمر تقدمت الإشارة إليه وهو القول بأن الربا محرم لما فيه من ظلم واستغلال؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإن الاستغلال والظلم واقع في قروض الاستهلاك دون الإنتاج، لأن الأخيرة تكون لمشاريع استثمارية لا يُقدِم عليها من عجز عن قوْته وقوت عياله، بل من أراد التوسع في المال، و سيعود عليه من نفع ما اقترض ما يغطي ذلك الربا المشروط عليه.
هذا وجه هذه الشبهة ومبناها، وهو أمر قد تقدم بطلانه، فإن الحكم بالربا غير مرتبط بالاستغلال، بل بمطلق الزيادة كما دلت النصوص. ولا يجد هذا القول بُدَّاً من ادعاء أن القروض التي كانت السائدة وحرمها الإسلام هي القروض الاستهلاكية؛ إذ لو ثبت أن بعض تلك القروض كانت إنتاجية، لعاد ذلك بالنقض على هذه الدعوى، فهل كان الواقع كذلك حقاً ؟
الشبهة الثالثة: الربا المحرم هو الذي يُفرض عند عجز المدين عن السداد، لا المفروض ابتداءً:
مستند هذا القول، هو أن الربا الذي حرم إنما هو ما تناقله المفسرون من قول المدين للدائن: أخِّر عني وأنا أزيدك. أو: زد في الأجل أزدك في الدين. فهل صوابٌ أن الربا الذي حرِّم هو هذا فقط؟
لقد نقلنا أقوال المفسرين في الربا الذي جاء القرآن بتحريمه، فكان أن عدَّت تلك الأقوال صوراً متنوعة للربا الذي ساد فحرِّم. ومن بينها: قرض الربا حين ابتداء القرض، يقول الجصاص: (والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض ما يتراضون به).( )
وقد كانت العرب تربي في الابتداء والانتهاء. يقول الرازي: (اعلم بأن الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل؛ أما ربا النسيئة، فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً؛ ثم إذا حلَّ الدين، طالبوا المديون برأس المال؛ فإن تعذَّر عليه الأداء، زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية).( )
الشبهة الرابعة: استباحة ربا المصارف بجعله في مقابلة انخفاض قيمة العملة بفعل التضخم:
هذه الشبهة التي طُلب بها استباحة ربا المصارف تقوم على دعوى اقتصادية كما هو ظاهر، وقد احتج أصحابها أيضاً بسند فقهي_بحسب زعمهم_ هو فتوى الإمام أبي يوسف بالتعويض عن قيمة الفلوس إن نقصت في الديون؛ فالنقود اليوم كالفلوس سابقاً في تقلّب قيَمها.
أما الدعوى الاقتصادية المذكورة، فهي ليست صحيحة، لأن الفوائد المضروبة على القروض ليس مراداً بها التعويض عن الخسائر بل تحقيق الربح، بدليل أن نسب الفائدة ثابتة لا ترتبط بنسب انخفاض قوة العملة. وانخفاض قوة العملة في أصله ليس مضطرداً، فقد ترتفع قيمة العملة وقد تنخفض وقد تستقر.
هل حالنا اليوم واقع استثنائي يستحل فيه الربا للضرورة؟
على الرغم من وجود تدابير الإسلام الواقية من الخروج عن الأصول الشرعية الموضوعة، فإن هذا الدين، رحمةً بالناس، قد رخَّص لهم الخروج عن تلك الأصول للدخول في شرعة الاستثناءات، بل قد جعل ذلك في بعض الأحيان واجباً على الإنسان، لأن التيسير أصل من أصول هذا الدين واجب على الإنسان التزامه شأن الأصول الأخرى. قال تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}( ). ولكننا لا نجد في تلك الاستثناءات أن ما نُصَّ على تحريمه يُستحل لغير ضرورة تلجأ إلى ذلك، والمقصود بالضرورة كما هو معروف ما لا غنى عنه لسلامة مقاصد الشريعة الخمس التي ثبتت بالاستقراء، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال.( )
فليس من الضرورة إذاً التوسع في الرزق، وإنما يستحل المحرم للرزق بالقدر الذي تقوم به النفس وتلبَّى حوائجها الأساسية التي لا بُدَّ منها لقيامها، وبناءً عليه: لا يجوز التعامل بالربا إقراضاً واقتراضاً، هذا هو الأصل، ولكن إن بلغت بنا الحاجة إلى الاقتراض بالربا مبلغاً انقطعت معه بِنا السبل فلم نر إلاه سبيلاً لتأمين الضروري لحياتنا، حل لنا، ولكن حل لكل فرد مضطر بقدر الضرورة، لا لكافة الناس، نظراً لعدم اضطراد الضرورة عند جميع الناس.

خاتمة:
بناء على ما ذكر، فإن الربا حرام تحريما قاطعا، و لا مدخل لإباحته إلا للضرورة بشروطها و ضوابطها.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فقه الربا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: الوحدات الأساسية :: الاجتهاد وقضايا العصر-
انتقل الى: