منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 تلخيص ودراسة لكتاب: الرد على من اتخذ الشطح والرقص عبادة، لابن هلال.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
radwane el khaldi



عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 31/01/2011

مُساهمةموضوع: تلخيص ودراسة لكتاب: الرد على من اتخذ الشطح والرقص عبادة، لابن هلال.   الثلاثاء يونيو 14, 2011 12:04 pm
























تلخيص ودراسة لكتاب: الرد على من اتخذ الشطح والرقص عبادة، لابن هلال.
إعداد الطلبة:
رضوان الخالدي
عبد الفتاح الخبيزي
عبد القادر المغاري
عبد الله زكي

تحت إشراف: الأستاذ
الدكتورعبد الله الهلالي -حفظه الله-

مــقـــدمـــــة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن الإنسان عندما يبتعد عن شرع الله الحكيم، تختل موازينه، وتعوج فهومه، ويضطرب منهجه، وينحرف سلوكه، فيخلط بين الصواب والخطأ، ويسيء من حيث يريد الإحسان، ويفسد من حيث يريد الإصلاح.
هذا ما وقع لكثير من المنتسبين إلى التصوف، عندما ابتدعوا الشطح والرقص في العبادة، واتخذوا الأشياخ وساطة بينهم وبين رب العالمين، يلتمسون بركاتهم، ويرجون عطاءهم، وأغفلوا أن عطاء الله المتدفق كوثره على العالمين، لا يتوقف على إذن شيخ، أو رضا ولي، أو ينال برقصة مبتدع، "وإنما نوره سبحانه متجل أبداً، متدفق سرمداً، وذلك سر من أسرار جمالية الإسلام دين التوحيد الحنيف" .
وبما أن مضمون الكتاب المطلوب تلخيصه ودراسته، هو رد على من حرفوا التصوف، واتخذوا الشطح والرقص عبادة، استحسن البدء بإلقاء نظرة موجزة على أصل التصوف وتطوره، والتعرف على بعض اصطلاحات المتصوفة، ثم التعريف بالمؤلف ومنهجه في هذا الكتاب، (نظرياً)، ليكون الختم بتحرير جواب ابن هلال (تطبقاً).
تمهيد: نظرة موجزة عن التصوف، وبعض مصطلحات الصوفية:
تمهيد: في التصوف، وبعض مصطلحات الصوفية:
أولا: أصل التصوف: (التصوف أو الصوفية هذا الاسم لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن معروفاً عند العرب، ولا مشهوراً في القرون الثلاثة الأولى، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك.
ولهذا وقع التنازع في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي هل هو منسوب إلى أهل الصّفّة، أو إلى الصَّف المقدم بين يدي الله، أو إلى الصَّفوة من خلق الله، أو إلى الصُّوف .
ومال ابن خلدون إلى أن نسبة الصوفي إلى الصوف. قال: "والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه، لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف" .
ونُقِل التكلم بلفظ التصوف في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري تكلم به غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد وأبي سليمان الداراني وغيرهما كسفيان الثوري والحسن البصري.
وأول ظهور للصوفية كسلوك عملي كان في البصرة، قال ابن تيمية: "عرف أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد مما له فيه اجتهاد".
ثانياً: تعريف التصوف اصطلاحا:
جاء في التعريفات للجرجاني: (التصوف: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً، فيٌرى حكمها من الظاهر في الباطن، وباطناً، فيُرى حكمها من الباطن في الظاهر، فيحصل للمتأدب بالحكمين كمال .
وقيل: ترك الاختيار، وقيل بذل المجهود والأنس بالمعبود. وقيل حفظ حواسك مع مراعاة أنفاسك (...)
. فهذا أصل التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع وصارت الصوفية ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم .
ثالثاً: أقسام الصوفية عند ابن تيمية:
أولا : صوفية الحقائق : وهم الذين مقصود التصوف عندهم عبارة عن حقائق وأحوال، وحدود وسيرة مستلزمة لصفاء الباطن من كدر الأمراض الباطنة، وصفاء الظاهر بكثرة العبادات والزهد في الملذات والشهوات.
ثالثاً: صوفية الأرزاق: وهم الذين تركوا البحث عن الرزق والعمل لكسب المعاش، واكتفوا بما يجود به الناس عليهم من الصدقات، والأوقاف الخيرية، وهؤلاء لا يشترط فيهم أن يكونوا من أصحاب الحقائق، لعزة ذلك وقلته؛ لأن أرباب الحقائق لا يتكففون الناس، ولا يعيشون على صدقاتهم. ويشترط فيمن كان من صوفية الأرزاق ثلاثة شروط:
الشرط الأول: العدالة الشرعية وذلك بفعل الفرائض واجتناب المحرمات.
الشرط الثاني: التأدب بآداب الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات.
الشرط الثالث: البعد عن فضول الدنيا، من جمع الأموال، وتكديسها في طلب التكاثر من متاعها.
ثالثاً: صوفية الرسم: وهم المقتصرون على النسبة، فهمهم في اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم، وليس منهم" .
ذاك منهج قويم ودقيق، في تقسيم المتصوفة إلى ما سبق، اعتمده العالم النقادة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهو المنهج نفسه الذي ذهب عليه تلميذه النجيب ابن القيم رحمه الله، وهو العالم المحقق الحكيم، الناقد لمذاهبهم، البصير بمثالبها وبركاتها. فله هو أيضاً في هذا كلام حقه أن يكتب بماء الذهب. قال رحمه الله عن شطحات الصوفية: (هذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس:
إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم، وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقاً! وهذا عدوان وإسراف! فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها.
والطائفة الثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم، وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون.
والطائفة الثالثة: وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد ).
وأحسب أن ابن هلال من الطائفة الثالثة الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته. كما سيتضح ذلك جلياً في المبحث الثاني عند مناقشة طريقة المتطرفين منهم وردها، بحجج مشايخ الطريق المنصفين منهم ودحضها. متخذا من كتاب الله وسنة رسوله ميزانا للحق، إذ هو الإمام الذي يجب الاقتداء والاهتداء به، دون سواه، كما قال سبحانه: {        }.
رابعاً: تحديد بعض المصطلحات الصوفية الواردة في الكتاب:
ورد في الكتاب بعض المصطلحات اشتهرت نسبتها إلى المتصوفة، وبعضها اختصوا باستعمالها، ولهذا ينبغي معرفة مفهومها عندهم.
الحال: ويجمع على أحوال، وهي ما يجده العبد في سيره إلى الله من أذواق العبادة، تختلف من لحظة إلى أخرى، ذات لذات ومواجيد متفاوتة، مما ينشطه في سيره، ويحدو به إلى ربه، ويزيد شوقه إلى مولاه اتقاداً. فالأحوال: أوضاع نفسية للمؤمن لا تستقر على أمر؛ بل هي متقلبة بين نشاط وفتور، وبين قبض وبسط، كما في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- "لو أنكم تكونون على كل حال؛ على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم! ولزارتكم في بيوتكم! ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم". مشيراً إلى تقلب حال العبد، بين نشاط وفتور في سيره إلى الله. (...) وقال أبو نصر السراج الطوسي: (وأما معنى الأحوال: فهو ما يحل بالقلوب، أو تحل به القلوب من صفاء الأذكار. وقد حكي عن الجنيد - رحمه الله- أنه قال: (الحال نازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم). وقال أبو الحسن الهجويري رحمه الله (إن الحال معنى يرد من الحق على القلب، دون أن يستطيع العبد دفعه عن نفسه بالكسب حين يرد، أو جذبه بالتكلف حين يذهب).
المقامات: جمع مقام، فال أبو نصر السراج الطوسي رحمه الله: (فإن قيل ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله عز وجل، فيما يقام فيه من العبادات، والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله -عز وجل- (...) قال: وقد سئل أبو بكر الواسطي -رحمه الله- عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم-" الأرواح جنود مجندة" قال: (مجندة على قدر المقامات. والمقامات مثل التوبة، والورع والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل، وغير ذلك (...) قال أبو الحسن الهجويري في سياق حديثه عن المريد: (ولا يجوز أن ينتقل من مقامه دون أن يقضي حقه ... فلا يجوز أن يدعي الإنابة دون التوبة، أو يدعي التوكل دون الزهد. وقد أخبرنا الله تعالى عن جبريل عليه السلام أنه قال: {     } . (...) فالمقام: عبارة عن طريق الطالب وموضعه في محل الاجتهاد، وتكون درجته بمقدار اكتسابه في حضرة الحق تعالى). وهكذا يظهر الفرق بين الحال والمقام (فالمقام من جملة الأعمال، والحال من جملة الأفضال! والمقام من جملة المكاسب والحال من جملة المواهب).
السماع: جاء في تاج العروس السماع الغناء. وكل ما التذته الآذان من صوت حسن.
وذكر أهل التفسير أن السماع في القرآن على وجهين:
أحدهما: إدراك السمع المسموعات . ومنه قوله تعالى في آل عمران :
(         ) .
والثاني : سماع القلب وهو قبوله للمسموع. ومنه قوله تعالى في سورة هود:
{      } .
والمقصود بالسماع هنا (اجتماع بعض المتصوفة لسماع القصائد الربانية، ويكون ذلك بضرب الكف، أو الدف، أو القضيب).
التغبير: تهليل أو ترديد صوت، يردد بقراءة وغيرها. ومنه: المغبرة: وقد سموا ما يُطْربون فيه من الشعر في ذكر الله تغبيرا، كأنهم إذا تناشدوه بالألحان طربوا فرقصوا وأرهجوا، فسموا المغبرة لهذا المعنى .
التواجُدُ: استدعاء الوجد بضرب من الاختيار، وقيل: ظهور ما يحدث في باطنه على ظاهره.
الوَجْدُ : جاذب القلب من فزع أو غم، أو رؤية معنى من أحوال الآخرة، أو كشف حاله بين الله تعالى وبين العبد، وقيل: لهب ينشر في الأسرار، تضطرب الجوارح طربا، أو حزنا عند ذلك الوارد، وقيل : هو شارات الحق بالترقي إلى مقام مشاهداته .
الوجُودُ : خمود البشرية عند ظهور سلطان الحقيقة.
الحَقيقَةُ: مشاهدة الربوبية .
المُشَاهَدةُ: وجود الحق من غير بقاء تهمة.
الكَرَامَةُ: فعل خارج عن العادة يظهر على شخص من غير دعواه، برضا الله تعالى.
الوَلِيُّ: من يتولى الحق رعايته. وقيل: من توالت أفعاله على الموافقة. وقيل: هو الفاني عن حاله، الباقي في مشاهدة ربه.
الوَارِدُ: ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة بلا تعمل.
المُرِيدُ: من يريد الله مقبلا بكليته إليه.
العَارِفُ: من بدا له الشاهد ، وفنى الشواهد ، ووهب الخواص، واضمحل الإخلاص، وقيل: أن يكون كما كان حيث كان قبل أن يكون. وقيل: من بذل محمودا فيما لله، ويحقق معرفته بما من الله، وصح رجوعه عن الأشياء إلى الله،
القوّال: المنظم للكلام، والمرتب له إنشاداً ومواويل، تهز مشاعر الحضور.
هذه بعض المفاهيم التي اشتهرت نسبتها إلى المتصوفة، فكان أن زهد كثير من الناس فيها، بسبب ما خالط بعض كتبهم من خرافات وشطحات، وليس كلها مفاهيم فاسدة، بل فيها عبارات قرآنية أو نبوية محضة، نعم؛ ربما اكتست في سياق الاستعمال التاريخي دلالات منحرفة في بعض الأحيان، فيكون الواجب هو تحريرها منها، لا إلغاؤها والتنكر لها) .
وهذا ما أدى بابن هلال إلى تأليف هذا الكتاب، ليبن الطريق الصحيح الذي تركه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان.



المبحث الأول: لمحة عن ابن هلال، ومنهجه في تناول هذه النازله:

المطلب الأول:لمحة عن ابن هلال:
أولاً: تعريفه: هو ابراهيم بن هلال بن علي بن امحمد ويصل نسبه إلى سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها .
لم تحدد سنة ولادته بالضبط، وبما أنه توفي سنة 903ﮬ عن عمر يناهز 86 سنة تكون ولادته في الراجح سنة 817 ﮬ.
ويذكر بأنه درس بالقرويين وتلمسان ، وأنه حفظ القرآن الكريم والمتون في صغره ، وتلقى العلوم الأولية على يد علماء سجلماسة ، لأن عادتهم في الماضي أن لايرحل الطالب لبلد آخر حتى يستوفي ماعند شيوخ بلده ، ثم رحل إلى تلمسان لاستكمال مسيرته العلمية .
وكان له شيوخ كثر منهم :
أبو عبد الله محمد بن علي بن آملال المديوني الفاسي .
أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري اللخمي المكناسي الأصل .
أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن حمامة الأوربي الشهير بالصغير.
ومن تلامذته الذين درسوا عنده بلا شك ابنه عبد العزيز الذي أرسله لتتمة دراسته بتلمسان .
ثانياً: آثاره العلمية:
رغم الظروف السياسية المنحطة والفتور الاقتصادي الخطير والتدني في الوعي والثقافة وانتشار أنواع السحر والشعودة لم يؤثر على الآثار العلمية لابن هلال، فقد ترك آثارا علمية مهمة بعضها في الفقه وهو أهم ميدان ألف فيه وبعضها في الحديث ثم في المراسلات والتراجم ..
1) في الفقه: ألف كتابه المشهور بالنوازل، وهو عبارة عن الأجوبة التي أجاب بها ابن هلال سائليه في النوازل والقضايا الفقهية والاجتماعية وغيرها.
2) وألف كتابا آخر في الفقه: سماه الدرالنثيرعلى أجوبة أبي الحسن الصغير . وهو عبارة عن ترتيب وتعليق على أجوبة أبي الحسن الصغير.
3) كما ألف أيضا شرح مختصر خليل في الفقه المالكي .
4) مناسك الحج جمع فيه كل ما يتعلق بالمناسك، من أركان وواجبات وأعمال، وكذا زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والأدعية المتعلقة بذلك.
5) شرح مختصر ابن الحاجب الفقهي .
6) وفي الحديث: له كتاب اختصر فيه فتح الباري في أربعة أسفار.
وفي الفهارس والتراجم :
7) له اختصار الديباج المذهب لابن فرحون وهو تأليف في طبقات المالكية وقد اختصره ابن هلال، وأضاف إليه بعض الزيادات التي أغفلها صاحبه.
Cool فهرسته : بناها على إجازة ابن مرزوق الكفيف له.
9) الرد على بعض المبتدعة الذين اتخذوا الشطح والرقص عبادة.
10) رسالة منه لولده عبد العزيز.



ثالثاً: مكانته العلمية ومواقفه.

إن مكانة إبراهيم بن هلال العلمية ، تبرز من خلال مؤلفاته المتنوعة ، وتبرز من خلال شيوخه وتلاميذه ، وتبرز قيمته العلمية أيضا من خلال المهام التي كان يقوم بها آنذاك ، حيث كان قاضي سجلماسة ومفتيها.
أما مواقفه فنجملها في موقفين له ، أحدهما من اليهود الذين استولوا على جانب مهم من الاقتصاد الوطني آنذاك.
وثانيهما: من الصوفية المبتدعة، الذين يظللون الناس بخدعهم ورقصهم وشطحهم.

المطلب الثاني: ما يميز هذه الفتوى، ومنهجه العلمي في تناولها:

أولاً: ما يميز هذه الفتوى عن ما جمع من نوازل ابن هلال
هذه الفتوى أفردها ابن هلال بالتأليف، وخصص لها وقتا مهما وحيزا كبيرا لحاجة الناس إليها، والتباس الفهم لدى الكثير من معاصريه لهذه النازلة التي فصل الإجابة عنها. حيث عادة المفتين والنوازليين اختصار الجواب في أسطر أو جمل . وهذا التفصيل من الهلالي يدل على خطورة النازلة وحاجة الأمة إلى تخصيصها بمزيد بحث وتنقيب ، وأدلة نقلية وعقلية ، ويدل كذلك على قدرته العلمية في جمع الأدلة المتعلقة بها وتصنيفها وترتيبها وصياغتها في شكل جواب عجيب .
ثانياً: منهجه في تناول النازلة:
منهجيته في هذه النازلة تخالف منهجه المطرد في عموم نوازله ، حيث إن هذه النازلة خصص لها جوابا طويلا معززا بالأدلة والعلل ،والأقوال والنقول عن الأئمة المتقدمين والمتأخرين ، خلافا لما جاء في عموم نوازل ابن هلال .
حيث يرد في هذه النازلة على من اتخذ الشطح والرقص عبادة بأدلة متنوعة متدرجة ، فبعد الجواب العام بنفي التقرب بما لايتقرب به إلى الله ، انتقل رحمه الله لإعطاء الأدلة الشرعية الدامغة من القرآن والحديث ، وأقوال العلماء في نفي صحة ذلك ، خصوصا المذهب المالكي وكبار علمائه ، كما استشهد بأقوال أئمة مذاهب أخرى لأن النازلة تخص الجميع.ولم يكتف رحمه الله ببيان الأدلة المتنوعة على رد ما يدعيه المبتدعة، بل عرض حججهم وآراءهم ثم بين ضعفها، وفساد تأويلها، معززا فتواه بأقوال العلماء عامة والصوفيين السنيين خاصة.
والمتأمل في فتوى ابن هلال عامة وفي فتاواه الخاصة بغلاة الصوفية يجدها تتسم بالنظرة العلمية المقاصدية. فهو رحمه الله تعالى يدقق في النازلة ويستوعبها، ثم يجيب عنها باعتدال واتزان ووسطية لاتحابي المخطئين ولاتسند المخطئين المتشددين
فعندما انتقد ابن هلال ما ابتدعه غلاة الصوفية من مبتدعات لايدل عليها دليل ، ولاعمل عالم أو صالح. ذكر نمادج من هذا الانحراف حيث قال : وأما من ينتمي إلى التصوف الآن من الجهلة ،فقد اتخذوا الرقص شعارا لهم في أنديتهم ومحافلهم ، وجعلوه من سيم المجتهدين الجادين في السلوك منهم ، ويتعجب رحمه الله ممن يحضر تلك الجموع ويحضر لها حريمه ، وهو لايدري مفاسدها كيف يطيب خاطره أو يسكن باطنه حيث يتعجب على عدم وجود الغيرة في الرجال الذين يختلطون بنسائهم مع أجانب الناس، واعتقادهم أن ما يتدينون به هو قربة إلى الله عزوجل لا سيما إن عملوه في المولد النبوي الشريف الذي عمر بالمناكروالبدع نعوذ بالله منها، وينضاف إلى ذلك إضاعة المال والرياء وعدم نفقته على دوي الحاجة. ثم ذكر نماذج مما ينبغي أن يكون عليه الصوفية الأخيار الذين خصهم الله تعالى بأحوال شريفة، وعلوم عالية، وتكلموا في عيوب النفس من عجب ورياء وكبر وحب الجاه والمال، وكيفية الخلاص من هذه الأمراض، ودواء هذه الأدواء.
ولقد دأب ابن هلال رحمه الله تعالى على منهجية عجيبة في إقناع المبتدعة بخطإ فهمهم وانحراف طريقتهم ، حيث ينوع بين الأدلة الشرعية والعلل العقلية ، حتى لايدع مسوغا لهذا الانحراف في الفهم والممارسة .
فبعد أن أجاب بداية بصورة مجملة عمن يتخذ الرقص عبادة ، أنه قد ابتدع وضل ، انتقل بعدها على طريقة فحول العلماء باللف والنشر مفصلا الكلام في هذه الفتوى ومستدلا على صحة مايقول بالأدلة الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة، وفتاوى المتقدمين والمتأخرين من سائر علماء السنة المعتبرين ، ثم أردف ذلك بأقوال مشهورة لكبار الزهاد والصالحين تبين فساد ما أحدث من بدع وضلالات.
ولم يفته رحمه الله تعالى أن يذكر مايستدل به المخالف من أدلة ، ثم يرد عليها مصححا أصولها ، ومبينا فهومها ، ومقوما اعوجاج فهمها بدون سب أو شتم أو تحامل على المخالف.
معتمدا في ذلك على مصادر متنوعة نجملها في ما يلي :
كتب التفسير :وكان ينتقي أحسن التفاسير كتفسير عبد الله القرطبي .
كتب الحديث والسيرة :
استدل الهلالي رحمه الله تعالى على فساد غلو المتصوفة بعشرات الأحاديث الصحيحة وفي ضبطه لفقه هذه الأحاديث كان يعتمد على كبار فقهاء الحديث خصوصا المالكية منهم .
ج- كتب الفقه: فمن الطبيعي أن تكون أكثر مصادر الكتاب فقهية لعلاجه لقضية فقهية


من أهم هذه المصادر :
- المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج .
-النهي عن الأغاني للطرطوشي .
-فتاوى ابن تيمية
-فتاوى مجموعة من العلماء
-قصائد في الموضوع
د- كتب اللغة من أهمها : العين للخليل بن أحمد الفراهدي ، العين لأبي عبيد .
ه- أقوال كبار الزهاد والصالحين : كالفضيل بن عياض وأبو علي الدوذباري ، السهروردي ، ابن أدهم ، الجنيد.










المبحث الثاني: نص الفتوى
المطلب الأول:نص السؤال و التعليق عليه
أولا:نص السؤال
"الحمد الله الذي تقدس في أزليته وأبديته وأحديته، عن النظير والشبيه،وتنزه في جلاله وجماله وكماله عن نكالات أهل التمويه، الغني عن جميع خلقه، فلا أمد يحصره ولا ضياء يظهره ، ولا حجاب يخفيه. الواحد الأحد القدوس الصمد، الذي لا شك فيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نهاية لعلمه، ولا معقب لحكمه، ولا معارض له فيما يقضيه.
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، شفيع الأمة, وكاشف الغمة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومتبعيه وسلم تسليما.
وبعد: سيدي رضي الله عنكم ومتع المسلمين بحياتكم.
جوابكم في مسألة: وهي أن الشطح والرقص، على من اتخذ ذلك دينا وعبادة، أيجوز ذلك أم لا ؟ بين لنا في ذلك بيانا شافيا، لأن بعض الناس زعموا بجوازه، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: إن العقل يبيح ذلك [السماع ] والرقص.
واستدلوا بأن جبريل -عليه السلام - لما علم آدم وإبراهيم والنبي -صلى الله عليه وسلم -وعليهم أجمعين، وعلم سائر الأنبياء الطواف فقال لهم: هرولوا من موضع كذا إلى كذا يشير بذلك إلى الشطح، وبأن أيضا رجالا من الحبشة شطحوا من أصحاب النجاشي، بمحضر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولعبوا بين يديه, فلم ينههم. فانظر سيدي يرحمك الله، هل هذا الذي ادعوه وزعموا به صحيح أم لا ؟ فإن كانت دعواهم صحيحة، فلا إشكال.
أما الجواز فأمر واضح. وأما عدم الجواز فالردع والزجر، ولك الأجر، والسلام عليكم."
ثانيا:التعليق على السؤال
من خلال نص السؤال نخلص إلى ما يلي:
تضمن السؤال لبعض الآداب التي يجب على السائل أن يسلكها في كتب السؤال,كالإفتتاح بحمد الله تعالى, و الثناء عليه و الصلاة على نبيه -صلى الله عليه وسلم-,و الدعاء للمفتي وإعطائه المكانة التي يستحقها.
عرض السؤال لمجموعة من أدلة المتصوفة و بعض أحوالهم و طقوسهم,وطلب السائل الجواب الشافي يدل على أن له ثقافة لا بأس بها في العلوم الشرعية.
طريقة السؤال واستعمال بعض المصطلحات يدل على أن صاحبها ذو سلطة وقوة بدليل قوله:"وأما الجواز فالردع و الزجر و لك الأجر و السلام عليكم".

المطلب الثاني:بداية جواب ابن هلال
"الحمد لله وما توفيقي إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، من زعم أن في الرقص قربة إلا الله تعالى، واعتقد أنه عبادة فقد ابتدع وضل، وافترى على الدين.
فإن القرب والعبادات فرضها ونفلها معروفة معلومة بأحكامها وحدودها، نقلها الخلف عن السلف ,وقرروها وأدوها على وجهها، ولا ذكروا الرقص في شيء منها.
والشريعة المحمدية بفضل الله تعالى محفوظة، وقد أكمل الدين بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فما توفاه حتى ترك الأمة على المحجة البيضاء.
فيجب نهي معتقد ذلك وزجره، فإن أصر أدب حتى يقلع ويستبصر ويرجع" .
ففي مقدمة هذا الجواب الجامع على أن الرقص والشطح - كما ورد في السؤال – ليس من القرب والعبادات، جواب عام ينفي كل من اعتقد ذلك أنه من القرب ,بل لقد ابتدع وضل وافترى على الدين ما ليس فيه، فكيف يجعل مثل هذا التقرب إلى الله تعالى والدين معروف فرضه ونفله؟ وما جاء في الأثر أن الرقص والشطح اتخذ عبادة، ثم ذكر ابن هلال – رحمه الله – أن معتقد ذلك يجب زجره حتى يقلع ويرجع عن ذلك فإن أصر أدب.
وجوابه- رحمه الله- ركز على النهي المطلق ,لأنه إذا دخل في باب الاعتقاد واعتقد صاحبه أنه قربة وعبادة ضل ضلالا بعيدا, وابتدع وافترى على الدين ما ليس فيه.
وكان هذا الجواب يكفي لو كان المستفتي عاميا يسأل عمن هذه طريقته وطقوسه في العبادة، لكن السؤال أورد فيه صاحبه جملة من أدلة مدعيه أنه من القرب, ومحتجين بها على صحة ما يقومون به. فطلبه الجواب الشافي دل ذلك على أن السائل أراد مزيد بيان وإيضاح,حتى تكون الحجج دامغة, والأدلة واضحة على نفي ما يزعمونه.
فبعد هذا البيان والجواب العام استرسل – رحمه الله – بعد ذلك في ذكر أقوال العلماء ,والأئمة الأعلام وأدلتهم على أن الرقص والشطح ما كان من الدين ليتقرب به. ثم تآليف في الباب في الرد على مبتدعة المتصوفة، وعرض حجج المتصوفة وبيان فسادها كاشفا بعض أغراض من هذه طريقتهم، مع بيان ما كان عليه وما ينبغي أن يكون عليه التصوف السني ووجوب لزوم السنة في ذلك.
المطلب الثاني:الأدلة و الحجج على فساد ما ابتدعه المتصوفة
هنا نورد مجموعة من أقوال العلماء و الأئمة الأعلام,منها:
قول الشيخ ضياء الدين أبو العباس القرطبي – رحمه الله – في شرحه لصحيح مسلم المسمى" بالمفهم "لما تكلم عن حديث عائشة -رضي الله عنها- حين دخل عليها أبو بكر رضي الله عنه، وعندها جاريتان أنصاريتان تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وفيه أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال '' يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا ''
فذكر رحمه الله أن ما ابتدعه الصوفية من ذلك من قبيل ما لا يختلف في تحريمه. قال: "لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينتسب إلى الخير حتى ظهر في كثير منهم فعل المجانين، حتى رقصوا برقصات متطابقات، قال: وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب، وصالح الأعمال ، وأن ذلك يثمر سني الأحوال؟؟ على التخفيف من آثار الزندقة، وهو قول أهل المخرقة".
ما قاله الإمام عبد الله القرطبي في تفسير ما تكلم في قوله تعالى:{ إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}
"هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته وشكرا لما أولاهم من نعمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم، خائفين من قومهم وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء والأولياء.
أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام، والرقص بالأكمام، وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان؟"
وقال أيضا في تفسيره حين تكلم عن قصة السامري في سورة طه : سئل الإمام الطرطوشي ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية ، فإنه يجتمع جماعة من الرجال فيكثرون من ذكر الله تعالى ، و ذكر محمد -صلى الله عليه و سلم- ، ثم إنهم يوقعون القضيب على شيء، فيقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه.... ومثل هذا من القول . فأجاب: "مذهب الصوفية بطالة، وجهالة وضلالة ,وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله. وأما الرقص والتواجد، فأول من أحدثه صاحب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار، فقاموا يرقصون حواليه، فهو دين الكفار وعباد العجل وأول من اتخذه الزنادقة ، ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى.
وإنما كان مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار". ثم أضاف:" فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها."
وختم ابن هلال - رحمه الله – هذا الكلام بقوله : "هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن أبي أحمد وغيرهم من أئمة المسلمين".
وفي معرض حديثه عما يكون من هؤلاء من حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة ذكرما قاله الطرطوشي في كتاب النهي عن الأغاني:أن الناس فيما مضى كانوا يستترون بالمعصية إذا واقعها أحد منهم ثم يستغفر الله تعالى، ويتوب إليه، ثم كثر الجهل، وقل العلم... حتى صار يؤتى بالمعصية جهارا، والأخطر أن يعتقد من يفعل ذلك أنه من الدين الذي يقربه إلى الله.
وقد تعجب الإمام مالك لما وصله من أمر المتصوفة الذين يأكلون كثيرا، ويرقصون شهيرة، فوصفهم بالمجانين.
وسئل الشيخ أبو العباس الصفراوي عمن يحضر الصوفية, ولا يرقص هل تجوز إمامته أم لا ؟ فأجاب:" لا تجوز إمامته – فكيف لو كان ممن يحضر ويرقص-؟
وفي أجوبة عز الدين بن عبد السلام الشافعي :إذ سئل عن جماعة من أهل الخير والورع، يجتمعون فينشدهم منشد أبياتا، فمنهم من يتواجد ويرقص، ومنهم من يصيح ويبكي فأجاب: "الرقص بدعة لا يتعاطاها إلا ناقص العقل، فلا يصح إلا للنساء".
المطلب الثالث:عرض حجج المتصوفة و الرد عليها وبيان فسادها.
ومن بين ما جاء في السؤال من الحجج التي استدل بها الصوفية: أن الحبشة رقصت بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
والجواب: "فالذي وقع في الصحيحين من حديث عائشة أنهم إنما لعبوا بالدرق، والحراب في يوم عيد، ولعبهم بذلك من الجد، لأن فيه فائدة التدريب على عمل الحرب وصنعة القتال.
نعم وقع عند النسائي في بعض طرق ذلك الحديث من رواية يزيد بن رومان ما نصه: "سمعنا لغطا وصوت صبيان فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا حبشية تزفن. أي ترقص، والصبيان حولها فقال: " يا عائشة تعالي فانظري "
ولا دليل في هذا على جواز الرقص للرجال، فضلا عن كونه عبادة، لأن الحبشية امرأة، والرقص مما لا ينكر على النساء".
وأضاف: ومن هنا والله أعلم قال عز الدين: لا يصح إلا للنساء، حسب ما تقدم، فصار من الحبشية على وجه اللعب لا على جهة التعبد به، فرحا بالعيد على العادة التي أجراها الله تعالى من شمول الفرح والسرور به, فيقتصر على ما ورد فيه وقتا وكيفية ، تقليلا لمخالفته الأصل، لأنه من اللعب والأصل في اللعب المنع، إلا ما ورد الإذن فيه شرعا.
جاء في الحديث:" كل لهو باطل إلا ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه, ورميه عن كبد قوسه "
ثم ذكر من أحوال المتصوفة حيث اتخذوا الرقص شعارا لهم في محافلهم وجعلوه من شيم المجتهدين فيهم. وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " لست من دد ولا دد مني" قال مالك -رحمه الله- : الدد: اللعب واللهو. وقال الخليل بن أحمد – رحمه الله – في كتاب العين، الدد: النقر بالأنامل في الأرض.
ومن بين ما احتجوا به كذلك ما أخرجه الإمامان أحمد بن حنبل وابن حبان من حديث أنس -رضي الله عنه- أن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتكلمون بكلام لهم، فقال ما يقولون: قال: يقولون محمد عبد صالح .
وفيما يخص الرد على ما احتجوا به بالدليل العقلي, و أن التصوف يثير أحوالا سنية كان الجواب: لا حجة لهم في ذلك، لأن الأحوال السنية ما وافق السنة وعمل السلف الصالح ، أما ما قد يحصل لمقتفي سبيل البدعة فقد قال ابن تيمية رحمه الله : "تلك عبادة بدعية شيطانية فلسفية تجلب الشياطين في تلك الحال وتتكلم على ألسنتهم " أو كما قال ابن هلال :هي " إما للاستدراج والعياذ بالله وإما للتلبس عليهم عقوبة لهم من حيث بنوا مذهبهم على أساس البدعة "
وقال ابن الحاج : "ولا شك أنها أحوال نفسانية أو شيطانية، لأن الفتح لايكون مع ارتكاب المكروهات أو المحرمات وهذا محرم ".
ـ واحتجوا كذلك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده أعرابي :
قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي
إلا الطبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي
وإنه صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه عليه السلام، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب "
وقد ضعفه ابن تيمية في فتاواه : هذا الحديث موضوع مكذوب فيه باتفاق أهل العلم بهذا الشأن.
وفي الجواب على المتصوفة الذين اتخذوا الزهد في الدنيا بلباس الخشن والوسخ من الثياب كان الرد :الإنكار لما فيه من الشهرة والتشبه برهبان النصارى، إذ لا فائدة لخشوع الجسد إن لم يخشع القلب، وهذه بعض الأقوال:
-ما قاله الإمام عبد الله المازني – رضي الله عنه – في جواب له في نحو هؤلاء: "فإن قالوا لا نريد إلا وجه الله، قيل لهم: أصل مالك حماية الذرائع, ففي بعض مسائل المدونة: أخاف إن صح من هؤلاء أن لا يصح من غيرهم".
وقد سئل مالك عن اللباس الخشن من الصوف، فقال: لا خير في الشهرة، وينبغي أن يخفى الإنسان من عمله.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: " ألبسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم، فإنه من أفضل لباسكم... " .
فهذه الصفة التي عليها المتصوفة مخالفة للحديث، وما روي عن مالك.
-وإن احتجوا بذلك اللباس، وقالوا: أردنا به التواضع، ونفي الكبر، واستدعاء الخشوع قيل لهم: التواضع والخشوع محله القلب.
قال أبو هريرة - رضي الله عنه – "أعوذ بالله من خشوع النفاق" وهو أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع، قال عز وجل: { واعلوا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } .
وفي الحديث: قال رجل، يا رسول الله الرجل يحب أن تكون ثوبه حسنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله جميل، الكبر بطر الحق وغمط الناس "
ثم أضاف إن ما أحدثته هذه الطائفة ما كان فعله السلف الصالح، مع العلم أنهم أعبد ممن يأتي بعدهم، وأنهم أرغب في الازدياد من الطاعات.
الحال السني ما ورد عند الصدق في العبادات الشرعية
إن الحال السني ما ورد عند الصدق في العبادات الشرعية ، لاعند ارتكاب المكروهات والمحرمات وقد حصل ذلك لأسيد بن حضير (عند قراءة سورة البقرة بالليل، وفرسه مربوطة إلية إذ جالت الفرس فسكت فسكنت ...) وفيه : فرفعت رأسي إلى السماء فإذ ا فيها مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" تلك الملائكة دنت لصوتك،ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها ، لا تتوارى منهم ". والله تعالى يقول: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم "الآية، ويقول: " لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا "الآية.
فإن حصل الحال عند العبادات الشرعية مثل ما حصل لأسيد بن حضيررضي الله عنه من نزول السكينة فياحبذا ، وإن حصل عند شبه المكاء والتصدية فهو مشِِوم مذموم.
تحريم الذكر بالرقص والاهتزاز وما يقع في ذلك النادي من المناكر والمحرمات :
حكى ابن هلال إجماع الأئمة الأربعة على تحريم الذكر بالرقص والاهتزاز والتصفيق والتواجد ، ويزداد قبح ذلك حينما تنضاف إليه الأمور التالية :
ـ حضور النساء ذلك النادي مختلطات أو منعزلات إلى جانب في زاوية ، لما ينشأ عن ذلك من المفاسد والمحرمات .
ـ إضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه المطلوب، وقد يسعى البعض ويسأل ليقيم ذلك المحفل ، والسؤال حرام إلا فيما أبيح شرعا ، فكيف بمن يسأل لإقامة بدعة ولحصول فتنة .
ـ ومنها الرياء والسمعة، ومحبة الثناء والمحمدة ،والقيل والقال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا .
السماع بين الماضي والحاضر:
اختلف العلماء في السماع ، ولهم فيه مذاهب واضطراب كثير ، وتفصيل ، وممن حرر القول في ذلك الإمام الغزالي في كتابه" إحياء علوم الدين " في الكتاب الثاني من ربع العبادات .
ومذهب المحققين في الكراهة ، أو المنع، هذا إن حصل عاريا سالما من المناكر التي سبقت الإشارة إليها ، ومن اللحن في الذكر وفي أسماء الرب تبارك وتعالى ، ومن آلات اللهو والباطل .
وقد قاطعه أكابر الزهاد الصالحين،فقد نقل ابن هلال عن الشيخ أبي العباس ابن البناء "أن أعيان المشاييخ عابو أهله، ولم يحضره أكابر الصالحين كابن أدهم، والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي وغيرهم من أكابر الزهاد، قال: ومن حضره من الشيوخ تركوه في أواخر أمرهم " .
ـ السماع المسموح به وشروطه:
إن السماع المسموح به عند المتقدمين والذي تررد بين المنع والكراهة،هو السماع المعروف عند العرب وهو إنشاد الشعر بالصوت ليس إلا،
وقد اشترط فيه إمام الإمام إبو القاسم الجند عشرة شروط ، ذكر منها ابن هلال نقلا عن العبدري ستة شروط زهي :
ـ أن يكون بمكان لا يطلع عليهم إلا ذو رحم .
ـ وأن لا يكون بين أحد ممن يحضره شنآن .
ـ وأن لايحضره أحد من أبناء الدنيا .
ـ وأن لا يحضره شباب .
ـ وأن يكون القوال هو الذي ينشدهم .
ـ وأن يكون بغير إجارة ، إلى غير ذلك من الشروط .
ـ الاتفاق على منع السماع المتأخر لمخالفته للمتقدم:
من خلال ما سبق يظهر جليا مدى الفرق بين السماع عند المتقدمين ، وما يسمى بالسماع عند المتأخرين ، ولذلك اتفق العلماء على منع السماع المتأخر .
قال ابن الحاج في المدخل : وهذا هو الحق الذي يجب اعتماده في حق السلف الماضين وضي الله عنهم .... ومعاذ الله أن يظن أن يعتمدوا السماع الذي يفعل اليوم .
وقال الشيخ المحدث رزين : ما أتى على بعض العلماء المتأخرين إلا لوضعهم الأسماء على غير مسميات.
فتلخص من هذا أن ما يفعل من هذا السماع الموجود بين الناس مخالف للسماع الأول كيفية ووقتا وحالا ، فيتفق على منعه.

موقف العلماء من المتصوفة :
ـ فتوى يحيى بن عمر القيرواني بمنع من المتصوفة من الإنشاد في المسجد
اختلف الأئمة القرويون في حضور مسجد السبت الذي يوجد بخارج القيروان للذكر والتغبير ،فكان يحيى بن عمر أحد كبار أعلام المذهب ينكر حضوره،وأفنى بهدم ذلك المسجد حسما للمادة .
هدم قاضي القيروان لزاوية يجتمع فيها النساء للتغبير:
قد نزلت مسألة بتونس أيام الفقيه الإمام أبي عبد الله بن عرفة رحمه الله ،زهي : أن رجلا بنى دارا بجوار قبر بعض الصالحين خارج المدينة ،فشهد بعض من يقبل عند القاضي أنه يجتمع فيها النساء بالليل،ويخرجن من البلد إليها ، فيجتمعن على التغبير ، وما يفعله من ينسب إلى الصلاح منهن ،
فأمر القاضي إذ داك بهدم تلك الزاوية ، لما يتوقع فيها من المفسدة على المساء ،وذلك برأي ابن عرفة .
انقراض طريق الصوفية الشريفة :
إن ما يدعيه البعض اليوم من التصوف لايمت بصلة إلى طريق الصوفية الشريفة ،التي كان عليها السلف الصالح ، الذين خصهم الله بأحوال شريفة وعلوم عالية،قد تعلموا في علوم المعاملات وعيوب الحركات والسكنات ، وشريف المقامات،كالتواضع، والزهد ،والورع ،والصبر، والرضى ،والتوكل...
تلك طريق قد قد انقرضت ، وما أتى على بعض المتأخرين إلا لوضعهم الأسماء على غير مسميات .
يقول ابن هلال : وأين الاتصاف بالصوفية اليوم في هذه الأقطار؟ فقد دثرت طريقهم وفت رسوم سيرتهم.
ولله در شيخ المشايخ ولي الله تعالى سيدنا أبي مدين ونفعنا به وبأمثاله، حيث يقول في قصيدته:
واعلم بأن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى
هذا في زمن فما بالك بزماننا هذا ، فلم يبق إلا الدعوى ، وقنعوا بالاسم منه .
إذا كان هذا في زمان أبي مدين ، وفي زمان ابن هلال .فماذا يقال عن زماننا هذا.

إن من يدعي الآن أنه من المتصوفة لا يعرف العقيدة والفرائض العينية ، وأحكامها ،فضلا عن تلك العلوم فكيف يعد منهم؟
ولذلك تجد الكثير منهم إن طالبته بالدليل لا يعدو أن يقول: لقد فعل هذا شيخ الطريقة الفلانية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين.







لائحة المصادر والمراجع:
1- القرآن الكريم.
2- التعريفات، للجرجاني، علي بن محمد بن علي الجرجاني، دار الكتاب العربي – بيروت، تحقيق: إبراهيم الأبياري. (ط:1/ 1405هـ ).
3- الرد على من اتخذ الشطح والرقص عبادة، لإبراهيم بن هلال المالكي، تحقيق الدكتور: عبد الله الهلالي، مطبعة أنفو- برانت، الليدو- فاس.
4- تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، الملقب بمرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.
5- جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح، للدكتور فريد الأنصاري، دار السلام، القاهرة، (ط:1/ 1430هـ - 2009م)
6- مجموع الفتاوى، لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقق : أنور الباز - عامر الجزار، نشر دار الوفاء. (الطبعة: الثالثة، 1426 هـ / 2005 م) .
7- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي. دار الكتاب العربي – بيروت. (الطبعة الثانية، 1393 هـ– 1973م)
8- معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، لأبي الفضل عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، تحقيق: أ.د محمد إبراهيم عبادة، مكتبة الآداب – القاهرة، مصر، (ط:1/ 1424 هـ - 2004 م).
9- مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن ابن خلون المغربي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط: الأولى، 1425هـ -2005م.
10- نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، لابن الجوزي. مؤسسة الرسالة – لبنان، ( ط:1/ 1404هـ- 1984م).














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تلخيص ودراسة لكتاب: الرد على من اتخذ الشطح والرقص عبادة، لابن هلال.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: الوحدات التكميلية :: مكتبة القواعد-
انتقل الى: