منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 دراسة قاعدة: القول في أسباب النزول موقوف على النقل والسماع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمدمحمدشيرة

avatar

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 23/01/2010
العمر : 37

مُساهمةموضوع: دراسة قاعدة: القول في أسباب النزول موقوف على النقل والسماع   السبت فبراير 12, 2011 4:39 pm

إعداد الطالب أحمد الزنفوري
دراسة قاعدة:
القول في أسباب النزول موقوف على النقل والسماع


إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ عن ربه ما أوحي إليه، وبين المقصد من شرعه،  وعلى آله وصحبه.
أما بعد :
فإن من المهم في كل فن أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول ، ليكون علمه مبنياً على أسس قوية ودعائم راسخة ً، وقد قيل : من حٌرِم الأصول حرم الوصول .
ومن أجل فنون العلم ، بل هو أجلها وأشرفها ، علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله عز وجل.
وإذا كان التفسير كما قال الزركشي هو: "علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد  ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه" .
كان لا بد من وجود ضوابط وقواعد لهذا العلم تضبط للمفسر المنهج الذي يسير وفقه لفهم كتاب الله، ذلك أن غياب هذه القواعد يجعل المفسر يحشو تفسيره بعلوم ومعارف لا علاقة لها بالتفسير، يحاول المفسر أن يتفنن في ذلك بذكر العلم الذي برز فيه، فيجعل تفسيره للقرآن ميدانا لتطبيقات علمه، مما جعل الكثير من المفسرين يطيلون تفاسيرهم ويدخلون ما ليس من صلب التفسير، وقد عاب بعض المفسرين على غيرهم ذلك. قال الشوكاني في أول سورة الإسراء: "واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين – كابن كثير والسيوطي وغيرهما – في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كُتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كُتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز وذكر أسباب النُّزول وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة" ( ).
وقال أبو حيان الأندلسي في تفسير قوله تعالى:  فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ  [البقرة: 23]: "وقد تعرَّض الزمخشري هنا لذكر فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورًا، وليس ذلك من علم التفسير، وإنما هو من فوائد التفصيل والتسوير" ( ).
وقال الطاهر بن عاشور في تفسير قوله تعالى:  الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم  [المجادلة: 2]: "ولم يشر القرآن إلى اسم الظَّهْرِ، ولا إلى اسم الأمِّ إلا مراعاة للصيغة المتعارفة بين الناس يومئذٍ، بحيث لا ينتقل الحكم من الظهار إلى صيغة الطلاق إلا إذا تجرد من هذه الكلمات الثلاث تجردًا واضحًا.
والصـور عديدة، وليست الإحاطة بها مفيدة، وذلك من مجال الفتوى، وليس من مهيع التفسير" ( ).
ولا شك أن قوال هؤلاء العلماء تشير إلى أن هناك جد للتفسير، ووجود معلومات زائدة عن هذا الحد يذكرها المفسرون.
فكان البحث عن قواعد للتفسير تلجم فكر المفسر كي لا ينجرف مع ميولاته ويقحم في التفسير ما ليس من ورائه فائدة، فتوالت المحاولات في التأليف في هذا الباب تحت مسميات عدة "كأصول التفسير" و"قواعد التفسير" و"ضوابط التفسير" و"أسس التفسير".



1-تعريف أسباب النزول.
السَّبَبُ في اللغة هو: كلُّ شيءٍ يُتَوَصَّلُ به إِلى غيره
سبب النزول في الاصطلاح هو :ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال"
2-أقسام أسباب النزول .
أقسام أسباب النزول خمسة وهي:
الأول: هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه فلابد من البحث عنه للمفسر، وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها، ونحو يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ومثل بعض الآيات التي فيها ومن الناس.
والثاني: هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام وصور تلك الحوادث لا تبين مجملا ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها: مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت عنه آية اللعان. وهذا القسم لا يفيد البحث فيه إلا زيادة تفهم في معنى الآية وتمثيلا لحكمها، ولا يخشى توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة، إذ قد اتفق العلماء أو كادوا على أن سبب النزول في مثل هذا لا يخصص، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا.
والثالث: هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد فنزلت الآية لإعلانها وبيان أحكامها وزجر من يرتكبها: فكثيرا ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون نزلت في كذا وكذا، وهم يريدون أن من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة فكأنهم يريدون التمثيل. ففي كتاب الأيمان من صحيح البخاري في باب قول الله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله  Sadمن حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) فأنزل الله تصديق ذلك إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم أبو عبد الرحمان؟ فقالوا كذا وكذا، قال في أنزلت، لي بئر في أرض بن عم لي الخ، فابن مسعود جعل الآية عامة لأنه جعلها تصديقا لحديث عام؟ والأشعث بن قيس ظنها خاصة به إذ قال في أنزلت بصيغة الحصر

والرابع: هو حوادث حدثت وفي القرآن آيات تناسب معانيها سابقة أو لاحقة فيقع في عبارات بعض السلف ما يوهم أن تلك الحوادث هي المقصود من تلك الآيات، مع أن المراد أنها مما يدخل في معنى الآية ويدل لهذا النوع وجود اختلاف كثير بين الصحابة في كثير من أسباب النزول.
ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري في سورة النساء أن ابن عباس قرأ قوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا بألف بعد لام السلام وقال كان رجل في غنيمة له تصغير غنم فلحقه المسلمون فقال السلام عليكم فقتلوه أي ظنوه مشركا يريد أن يتقي منهم بالسلام وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا. فالقصة لابد أن تكون قد وقعت لأن ابن عباس رواها لكن الآية ليست نازلة فيها بخصوصها ولكن نزلت في أحكام الجهاد.
والخامس قسم يبين مجملات، ويدفع متشابهات من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال لما نزل قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله  وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم ظنوا أن الظلم هو المعصية . فقال رسول الله: إنه ليس بذلك؟ ألا تسمع لقول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم .
ومن هذا القسم ما لا يبين مجملا ولا يؤول متشابها ولكنه يبين وجه تناسب الآي بعضها مع بعض كما في قوله تعالى، في سورة النساء: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، فقد تخفي الملازمة بين الشرط وجزائه فيبينها ما في الصحيح ، عن عائشة أن عروة بن الزبير سألها عنها فقالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن .
3-فوائد أسباب النزول:
من بين فوائد العلم بأسباب النزول ما يلي:
أ- معرفة وجه ما ينطوي عليه تشريع الحكم على التعيين لما فيه نفع المؤمنين وغير المؤمنين، فالمؤمن يزداد إيماناً على إيمانه لما شاهده وعرف سبب نزوله، والكافر إن كان منصفاً يبهره صدق هذه الرسالة الإلهية فيكون سبباً لإسلامه، لأن ما نزل بسبب من الأسباب إنما يدل على عظمة المُنزل وصدق المُنزَل عليه.
ب-بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة
ج- معرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يعرف سبب نزولها
قال الواحدي عند حديثه عن دواعي التأليف في سبب النزول :"إبانة ما أنزل فيه من الأسباب إذ هي أوفى ما يجب الوقوف عليها وأولى ما تصرف العناية إليها لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزلها ".
قال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب .
وقد أشكل على مَرْوَانَ بن الحكم قوله تعالى:لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا... قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ ( يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا  *
ب- أن لفظ الآية يكون عاماً، ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عُرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته.
د- يوضح سبب النزول من نزلت فيه الآية، حتى لا تحمل على غيره بدافع الخصومة والتحامل .
هـ- وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث حوادث دلالة على إعجازه من ناحية الارتجال، وهي إحدى طريقتين لبلغاء العرب في أقوالهم، فنزوله على حوادث يقطع دعوى من ادعوا أنه أساطير الأولين.



وقد حاول خالد السبت أن يجمع ويرتب هذه القواعد المتناثرة في كتب التفسير وكتب علوم القرآن وغيرهما.
وكانت أول قاعدة افتتح بها كتابه هي قاعدة: القول في أسباب النزول موقوف على النقل والسماع الجزء الأول بالصفحة54. إلا انه لم يفصل القول فيها حيث اكتفى بذكرها وبشرح وجيز لعباراتها.
ولم يمثل للقاعدة بأي مثال حيث قال: ومثل هذه القاعدة لا تحتاج منا إلى التمثيل.
1/مصادر القاعدة:
المصادر التي أخذ منها خالد السبت صيغة القاعدة هي:
كتاب أسباب النزول للواحدي ص4.
كتاب الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي 1/32.
2/المقارنة بين صيغ القاعدة.
وردت صيغة القاعدة في الكتب التي أخذ عنها خالد السبت كالتالي:
الواحدي في كتابه أسباب النزول( ص:4) .
"ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب"
ووردت القاعدة عند جلال الدين السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" بنفس الصيغة التي وردت في كتاب أسباب النزول للواحدي لأنه ذكرها وعزاها للواحدي، فهي ليست من كلام السيوطي، وإنما نقلها عن الواحدي.
ملاحظات:
أ-لقد اختصر خالد السبت قول الواحدي بحيث حذف جملة: "ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب"
مما يوحي أن أسباب النزول يمكن أن تأخذ عن التابعي وغيره، بينما الواحدي يقصد أن القول بسبب نزول آية من القرآن لا يمكن أن يأخذ إلا عن الذين عاينوا وشاهدوا ذلك وهو يقصد الصحابة لا غيرهم.
ثم أن الواحدي ربط القول بأسباب النزول بأحكام الشرع في قوله: " لا يحل" أي أن هناك جزاء وعقاب.
بينما خالد السبت لم يربط ذلك بحكم شرعي، وإنما ربطها بما هو مقبول أو غير مقبول.
ب-هناك مصادر ومراجع ذكرت القاعدة لم يذكرها خالد السبت منها:
*التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور الذي جاء فيه: " لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل" .
*مباحث في علوم القرآن لمناع القطان الذي جاء فيه: "ولا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها" .
*لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي: " ولا يحل القول في أسباب النزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها" .
والملاحظة الأساس هي أن كل هؤلاء نقلوا عن الواحدي هذه القولة أو القاعدة في كتابه أسباب النزول.
3/شرح القاعدة.
تعني هذه القاعدة أن القول في أسباب نزول الآيات لا يعتمد على القول بالعقل والاجتهاد بل يعتمد على قول من شاهدوا وعاينوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلب وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ( اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ *
والسلف الماضون رحمهم الله كانوا من أبعد الغاية احترازاً عن القول في نزول الآية. فعن محمد بن سيرين قال: سألت عَبيدة عن آية من القرآن فقال: اتق الله وقل سداداً ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن.
وقد أنكر الواحدي على معاصريه لخوضهم في أسباب النزول دون علم واختراعهم أشياء في أسباب النزول حيث قال: وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئاً ويختلق إفكاً وكذباً ملقياً زمامه إلى الجهالة غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للأسباب لينتهي إليه طالبوا هذا الشأن والمتكلمون في نزول القرآن فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب
و هذه القاعدة تنص على أن سبب النزول لا يأخذ إلا عمن حضر النزول أي ما روي عن الصحابة في ذلك، ولا مجال للقول فيه بالرأي.في حين ذهب السيوطي إلى أنه يمكن أخذ سبب النزول عن التابعي بشرط أن يكون قوله صريح في سبب النزول وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة حيث قال: "إذا كان قول التابعي صريحا في سبب النزول فإنه يقبل ويكون مرسلا، إذا صح المسند إليه وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، واعتضد بمرسل آخر".
فالقول بأن كذا سبب في نزول كذا لا يكون إلا بلفظ صريح ممن عاينوا وشاهدوا التنزيل.
4-أمثلة للقاعدة:
قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].
أخرج البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ  فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِلزُّبَيْرِ أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) *
فالزبير هنا لم يجزم بأن هذه الواقعة هي سبب نزول الآية وإنما حسبها كذلك لقرائن احتفت بالقضية، فهنا بتطبيق القاعدة لا يمكن أن نجزم بأن هذه الواقعة هي سبب نزول الآية. لورود كلمة أحسب وهي تنطوي على شك في حقيقة هذا السبب.
وقوله تعالى:  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ  [البقرة:223]. أخرج مسلم عن جابر قال: كانت اليهود تقول من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فانزل الله نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ . قال ابن تيمية :"وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب، كما تقول عنى بهذه الآية كذا" .
عبد الله بن مسعود قال: إني مع النبي  في حرث بالمدينة وهو متكئ على عسيب فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن الروح فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا: يا أبا القاسم ما تقول في الروح فسكت ثم ماج فأمسكت بيدي على جبهته فعرفت أنه ينزل عليه فأنزل الله عليه (وَيَسئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبي وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَليلاً)
و عن ابن عباس: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فنزلت هذه الآية.
فهنا بتطبيق القاعدة نأخذ برواية ابن مسعود في سبب نزول هذه الآية، لأنه هو الذي حضر وشاهد.
أما قول ابن عباس فيمكن أن يكون من باب ما قال ابن تيمية: "و يراد به تارة أن ذلك داخل في الآية" وليس بالضرورة أنه سبب نزولها.
وقال الزركشي في البرهان:"قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع" .

















خاتمــــــــــــــــــــة
يمكن القول أن خالد السبت قد استطاع أن يبرز قاعدة عظيمة في القول في أسباب النزول، فهي قاعدة عمل بها بعض المفسرون وغابت عن غيرهم مما دفع الواحدي للإنكار على معاصريه في خوضهم في أسباب النزول دون تقيد بهذه القاعدة، لكن حذفه لجملة "ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب" غير من المعنى الذي قصده الواحدي في كتابه، وقد يفتح الباب للأخذ عن غير الصحابة في مسألة سبب النزول وهو ما لم يقصده الواحدي.
ثم أما بعد.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد  فما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأ وهو حاصل فمن تقصير هذا العبد الضعيف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.











لائحة المصادر والمراجع
*القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
1-الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية-بيروت- 1407هـ
2-أسباب النزول لأبي الحسن علي بن حمد الواحدي النيسابوري دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة الثانية 1991.
3-البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي دار الفكر بيروت طبعة 1992.
4-البرهان للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم مكتبة دار التراث القاهرة –مصر-
5-التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور. الدار التونسية للنشر تونس بدون تاريخ.
6- فتح القدير للإمام الشوكاني. دار الوفاء المنصورة الطبعة الأولى 1994.
7-قواعد التفسير جمعا ودراسة لخالد بن عثمان السبت. دار ابن عفان الطبعة الأولى 1421هـ
8-مباحث في علوم القرآن لمناع القطان.مكتبة المعارف للنشر والتوزيع-الرياض- الطبعة الثانية للطبعة الجديدة 1417هـ/1996م.
9-مقدمة في أصول التفسير. لأحمد بن تيمية. المطبعة السلفية -القاهرة - الطبعة الرابعة 1399هـ


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دراسة قاعدة: القول في أسباب النزول موقوف على النقل والسماع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: المصادر القواعدية :: دراسات في أحاديث الأحكام – نصوص وقواعد-
انتقل الى: