منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 عرض في قاعدة فقهية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد الفتاح2010



عدد المساهمات : 107
تاريخ التسجيل : 14/01/2011

مُساهمةموضوع: عرض في قاعدة فقهية   الثلاثاء فبراير 01, 2011 1:20 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
- تصميم العرض:
- مقدمة
- المبحث الأول: مفهوم قاعدة : أتباع قضاء بعلمه الشخصي، مستثنياتها
- المطلب الأول : مفهوم علم القاضي
- المطلب الثاني : الأمور المستثناة من قاعدة المنع
- المبحث الثاني: أساس قاعدة المنع وبعض مظاهر تطبيقاتها
- المطلب الأول: أساس قاعدة المنع
- المطلب الثاني: بعض مظاهر تطبيقاتها
- خاتمة













مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد:
فيكاد تاريخ الإنسانية منذ بدء الخليقة وإلى اليوم تاريخ صراع الإنسان ضد ظلم أخيه الإنسان، فكان بذلك مطلب إقامة العدل على الأرض أمرا لا تتحقق في غيابه شروط الحياة الآمنة والمستقرة للأفراد والجماعات، وإزاء هذه الحقيقة الواقعية، تم إحداث سلطة القضاء التي تعني بإصلاح ما فسد وتفصل فيما نشب من نزاع بين الخصوم إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل.
والمتتبع لتطور الحضارات عبر مسيرتها التاريخية لابد وأن يلاحظ مدى وعي بعض الأمم، حاضرها وغابرها بواجب صيانة حريات وحقوق مواطنها، متجليا ذلك في حرصها على أن تكون قوانينها ودساترها عادلة وقضاؤها نزيها ومستقبلا.
قال تعالى: "وإذا حكتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " سورة النساء الآية 57
وإذا كان مطلب إقامة أمرا حتميا وطموحا أزليا فإن السبيل إلى تحقيقيه لم يتأتى إلى عن طريق احترام مجموعة من القواعد، ومن أهمها: قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي نظرا لطبيعة هذه القاعدة فقد اعتمدت على المنهجية التالية في هذا الموضوع : حيث قسمته إلى مبحثين أساسين ، وضمن كل مبحث مطلبين
- المبحث الأول: مفهوم قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي، ومستثنياتها
- المبحث الثاني: أسس قاعدة، وبعض مظاهر تطبيقاتها
- خاتمة



المبحث الأول: مفهوم قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي، ومستثنياتها
المطلب الأول: مفهوم علم القاضي
الفرع الأول: علم القاضي لغة:
ينبغي تعريف كل من المضاف والمضاف إليه في كل من الاسمين علم والقاضي
فالعلم عرف بتعاريف عدة منها:
أنه صفة ينكشف بها المطلوب انكشافا تلما
جاء في لسان العرب( ): علم: من صفات الله عز وجل العليم والعالم والعلام قال الله عز وجل:" وهو الخلاق العليم"( ) وقال تعالى:"عالم الغيب والشهادة"( ) وقال أيضا "علام الغيوب"( ) فهو الله العالم بما كان وما يكون قبل كونه، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى أحاط بجميع الأشياء باطنها وظاهرها دقيقها وجليلها على أتم مكان.
وعلمت الشيء: أعلمه علما: عرفته ، والعلم نقيض الجهل.
وجاء في القاموس المحيط( ): علمه: كسمعه علما بالكسر وعرفه وعلم هو في نفسه، في حسن عرف القاضي بأنه الشخص المكلف بالفصل في المنازعات فقد جاء في لسان العرب لابن منظور. ( )
قال أهل الحجاز القاضي معناه في اللغة: القاطع لأمور المحكم لها
ويقال: قضى يقضي قضاء فهو إذا حكم وفصل
واستقضى فلان أي جعل قاضيا يبحكم بين الناس
ومثل ذلك قولهم: قد قضى القاضي بين الخصوص أي قطع بينهم في الحكم وهكذا أخلص مما تقدم إلى أن علم القاضي في اللغة بمعنى
معرفة القاضي وهو الشخص المكلف بالفصل في المنازعات بشيء ما
الفرع الثاني: علم القاضي في الاصطلاح
المقصود بعلم القاضي عند فقهاء الشريعة هو علمه بوقائع الدعوى وأسباب نبوتها، وقد ميز الفقهاء بين حالتين هما:
علم القاضي الذي حصل له في مجلس القضاء، وعلمه الذي حصل عليه خارج هذا المجلس( ) وهذه الحالة الأخيرة هي موضوع دراسة هذا العرض وصورتها أن يعلم القاضي بحادثة في البلدة أو يقذف رجلا أو رآه يقتل إنسانا أو نحو ذلك ، ثم ترفع إليه تلك الحادثة وهو على قضائه
قال ابن رشد لا يحكم القاضي بما قبل ولايته فإن حكم نقضه هو وغيره وزلا بما علمه بعدما في غير مجلس القضاء اتفاق، فإن حكم به نقضه هو فقط، ولا بما علمه في مجلسه قبل أن يتحاكم الخصمان ويجلسا للحكومة كسماعه لإقرار أحدهما( ).
جدير بالملاحظة أن نطاق إعمال مبدأ عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي يثير التساؤل حول ما لا يعتبر من العلم الشخصي للقاضي وبالتالي يجوز له القضاء به، والجواب على ذلك أن علم القاضي بالأحكام الشرعية لا يعد خرقا للقاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي.
لقد أجمع فقهاء المسلمين على أنه من واجب القاضي المعرفة بالأحكام الشرعية أي أن يكون عالما بها، وهذا العلم لا يعد علم القاضي المنهجي عنه حسب القاعدة موضوع العرض.
فقد أورده ابن جزي في القوانين الفقهية( ) أنه من صفات القاضي وآدابه الواجبة عشر وهي أن يكون ... عارفا بما يقضي به " وهذا ما يهمنا في هذه النقطة بالإضافة إلى: أن يكون مسلما عاقلا، لبالغا، حرا، سميعا، بصيرا، متكلما.
كما أضاف تبن جزي: وأما المستحبة فهي خمسة عشر: (الأول): أن يكون عالما بالكتاب والسنة بحيث يبلغ رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ولا يقلد أحدا من الأئمة وقال عبد الوهاب أن ذلك واجب وفقا للشافعي، (الثانية): أن يكون عارفا بما يحتاجه إليه من العربية (الثالث): أن يكون عارفا بعقد الشروط هي الوثائق .. جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم "القضاة ثلاثة واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار( )".
فهذا الحديث دليل على انه لا ينجو من النار من القضاة إلا من عرف الحق وعمل به، أي معرفة الأحكام الشرعية من طرف القاضي وتطبيقها على النوازل المطروحة عليه .
وفي حديث آخر: عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث معاذا إلى اليمن قال:
كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله، قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله، قال اجتهد رأيي، ولا ألو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله"( ).
والحديث يظهر مدى وجوب توفر القاضي على العلم بالأحكام الشرعية حتى يتمكن من الفصل في النازلة.
جاء في تبصرة الحكام لابن فرحون: أن يكون: القاضي: عالما بالشروط لأن كتاب الشروط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه والشهادة تسمع بما فيه( ).
وبالمقابل حرم الفقهاء السعي في طلب القضاء من طرف الجاهل الذي ليس له أهلية للقضاء. ( )
يقول الماردوي: ولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده، وينفذ بها حكمه وهي سبعة: الذكورة والعقل والتمييز والحرية والإسلام والعدالة والسلامة والعلم بالأحكام الشرعية( ).
وجاء في مختصر الطحاوي: ولا يولى صاحب رأي ليس له علم بالسنة والأحاديث ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه( ).
وخلاصة القول إن علم القاضي بالأحكام الشرعية لا يعد علما شخصيا يمتنع الإسناد عليه من اجل الفصل في النزاع المعروض على القاضي لأنه من بين شروط توليته للقضاء.
المطلب الثاني: الأمور المستثناة من قاعدة المنع
يحكم القاضي بعلمه في أمور بعلمه في أمور مستثناة وهي:
1- الحكم بتأديب من أساء في مجلسه عليه، أو أساء على مفت أو شاهد أو خصم أو على من تبين كذبه بين يديه من الخصوم.
جاء في تبصرة الحكام: إذا ادعى غريمه فلم يجب، آدابه القاضي وجرحه إن كان عدلا، فإن تغيب شدد عليه القاضي في الطلب ... ومن استهان بدعوة القاضي أو الحاكم ولم يجب ضرب أربعين وفي موضع آخر: أنه من ادعى باطلا فيبغي أن يؤدب وأقل ذلك الحبس ومنها إذا ألمزه أحد الخصمين بما يكره فقال له ظلمتني وأرد أذاه فليعززه ، وإذا كان القاضي من أهل الفضل والعقوبة في هذا أمثل من العفو( ).
يقول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إذا رأيت من الخصم تعديا فأوجع رأسه. ( )
2- العلم بعدالة شاهد عنده، فله أن يعتمد ذلك، ولا يحتاج إلى طلب تزكية ما لم يجرحه أحد، فإن جرحه أحد، فلا يعتمد على علمه، لأن من جرح علم ما لم يعلمه القاضي.
جاء في البهجة للتسولي: ( )
وفي الشهود يحكم القاضي بما منهم بالاتفاق العلماء.
3- علمه بجرحة شاهد شهد عنده، ولو عدله غيره، لان عنده زيادة علم لم يعلمها غيره، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن القاضي أن يعدل بعلمه، وأنه إن علم ما شهد به الشهود على غير ما شهدوا، أنه ينفذ علمه، ويردد شهادتهم بعلمه. ولاته لو يستند في التجريح والتعديل إلى علمه للزم التسلسل إلى ما لا نهاية لأنه لو منعناه من الحكم بعلمه لاحتاج كل مزك إلى من يزكيه وهكذا( )
علمه بشهرة تعديل شاهد أو تجريحه، لأنه يحكم بما علم من الشهوة إلى أن يعلم خلاف ذلك، أو تشهد بينة بخلاف ما اشتهر بين الناس( )، فإن من الناس من لا يحتاج أن يسأل عنه لاشتهار عدالته، ومنهم من لا يسأل عنه لاشتهار فسقه وجرحه، وإنما يطلب القاضي الكشف عمن أشكل أمره، وقد شهد البرزلي في طريقه إلى الحج عند قاضي الإسكندرية، فقال له: أنت البرزلي فقيه المهدية، فقال نعم، فطلب من شهد عليه البينة على أنه البرزلي، وحكم القاضي بعد ذلك بشهادته دون طلب تعديله( ) .
المبحث الثاني: أساس قاعدة المنع ومظاهر تطبيقاتها
المطلب الأول: أساس قاعدة المنع
لقد بلغ القضاء الإسلامي القمة في العدالة والإنصاف والنزاهة، وقد ضرب قضاتنا المثل الأعلى في ذلك ، فكانوا قدوة يحتدى على أثرهم.
ومن القواعد الأساسية في المحاكمات والإثبات في الفقه الإسلامي أن القاضي لا يحكم إلى بالدليل، وبما أن الصفة البشرية لصيقة بالقاضي، فربما يطلع على بعض القضايا، ويشاهد بعض الحوادث، فهل يحكم في ذلك بعلمه فيها؟
إذا حصل القاضي على معلومات تخص وقائع الدعوى أو نبوتها في مجلس القضاء، كما لو أقرا المدعى عليه بالدعوى أو نكل عن اليمين بعد أن وجهها إليه القاضي، فإن القاضي يحكم بموجب علمه بوقائع الدعوى ودلائل ثبوتها، ولا يشترط أن يشارك القاضي في علمه وسماعه لوقائع الدعوى ودلائل ثبوتها في مجلس القضاء شاهدان أو أكثر، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد، حيث جاء في المغنى: ولا خلاف في أن يحكم بالبينة والقرار في مجلس حكمه إذا سمعه شاهدان، فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه شاهد فنص الإمام أحمد على انه يحكم( ) به وه ما قال به الشافعية أيضا محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ، كما جاء في الحديث: "فإن اعترفت فارجهما" ولم يقيده بأن يكون اعترافها – أي بالزنا- بحضور الناس أو بحضور شاهدين أو أكثر، كما قال بذلك الحنفية وهو الصحيح لدى الحنابلة.
وقال بعض المالكية نفس الشيء فقد قال أبو جعفر في مختصر الطحاوي: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : " واغديا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها"( ) ولم يقل له: إن اعترفت فاشهد عليها حتى تكون حجة لك بعد موتها، وقد قتل معاذ وأبو موسى مرتدا، بارتدائه عندهما وهما واليان لرسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، أإلا أن المشهور لدى المالكية هو أن القاضي لا يحكم بما سمعه أو علمه في مجلس الحكم إذا لم يستمر المقر على إقراره إلا إذا سمعه معه غيره وشهد به عليه( ) لأنهم يعتبرون أنه حكم عليه بما لم يقروا به( ).
وينبغي أن لا يكون خلاف في صحة حكم القاضي بعلمه المتحصل لديه في مجلس إلقاء بناء على ما يسمعه من وقائع الدعوى والبيانات والأدلة التي يقدمها أطراف الدعوى وإقرار المدعى عليه أو نكوله عن اليمين، لأن مجلس القضاء يحضره الناس، عادة وحتى إن لم يحضر الناس فهناك أعوان القاضي مثل أهل مشاته من أهل العلم وكاتبه وحاجبه وغيرهم ، وبالتالي فإن الحكم المستند على ما سمعه القاضي من قرار يبقى صحيحا لأن هذه وظيفته لقد اختلف الفقهاء في علم القاضي المتحصل عنده خارج مجال القضاء إلى ثلاثة أقوال:

* القول الأول:
منح القاضي عن القضاء بعلمه مطلقا سواء تعلق الأمر بحقوق الله أو بحقوق العباد، ومن الذين قالوا بهذا الرأي الإمام مالك – رحمه الله- وبه قال كل من شريح والعبي والأوزاغي وإسحاق وهو مهور المذهب( ). وهو أحد قولي الشافعية، وهو الصحيح لدى الحنابلة واختاره ابن القيم ، واستدل أصحاب هذا القول بما جاء في كتاب الله تعالى، وبالسنة النبوية الشريفة وكذا بأقوال الصحابة رضوان الله عليه، كما استدلوا بالمعقول، الدليل من الكتاب قوله تعالى: "فاستشهدوا عليهن أربعة منكم"( ) وقوله تعالى أيضا "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"( )
ووجه الدلالة من خلال الآيتين: يمثل في إيجاب الإثبات بالبينة – التي هي أربعة شهود لا غير – من الذين يرومون النساء وبالزنا، ورغم أن هذه الآيات في حد القذف، ولكنها تتعدى إلى ما سواه من الحدود ومن ثم إلى حقوق الآدميين إذ لا فرق في أصول التشريعات ، فدل ذلك على عدم جواز القضاء بالعلم. ( )
الدليل من السنة: احتج أصحاب هذا القول بعدة أحاديث نبوية منها: ما رواه البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أن بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما له قطعة من النار( )"
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال إنه: يقضي على نحوهما يسمع من الحجة والبيانات، وليس على نحو ما يعلم، فذلك على أن القضاء إنما يكون باستجواب الخصوم وسماع بياناتهم التي تقام أمام القاضي فلا يحكم القضاة إلا بما سمعوا دون ما علموا.
الدليل من أقوال الصحابة رضي الله عنهم، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: " لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ما أخذته، ولا دعوت له أحدا حتى يكون معي غيره"( )
ووجه الدلالة من هذا القول: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لا يرى إقامة الحد بناء على علم القاضي بل لابد من كمال البينة الشرعية.
أما الدلالة العقلية حيث ذهبوا أصحاب هذا الرأي إلى أن قضاء القاضي بعلمه يضعه في مكان التهمة ، والحكم بما تهوى نفسه، والتهمة ينظر إليها في الشرع ويقام لها وزن واعتبار وتؤثر في ترتيب الأحكام.
* القول الثاني:
جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقا، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن للقاضي أن يحكم بعلمه في جميع الأمور يستوي في ذلك حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وسواء علم بذلك قبل تولية وظيفة القضاء أو بعد تولية القضاء، بل قالوا إن حكم القاضي بعلمه هو أقوى ما حكم به لأنه يقين، وبهذا أخذا الشيعة وابن حزم الظاهري الأندلسي، وقد استدلوا هؤلاء بالأدلة الآتية:
قول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله( ) " وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قوامين لله شهداء بالقسط"( )
ووجه الدلالة من خلال الآيتين: أمر الله سبحانه وتعالى المومنين بالقوامة بالقسط، والحكام من جملتهم ،وليس من القسط أن يعلم الحاكم أن أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم ويترك كلا منهما على حاله( ) قال تعالى : " ولا تقف ما ليس لك به علم( )"
ووجه الدلالة من خلال هذه الآية الكريمة: أنها تدل على أنه يجوز أن يقف ما له به علم، واستدل أصحاب هذا الرأي كذلك بقوله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه"( ) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتغيير المنكر باليد أو باللسان ،والقاضي هو أول الناس بتغيير كل منكر علمه بيده وأن يعطي كل ذي حق حقه، إلا فهو ظالم( ).
* القول الثالث:
جواز قضاء القاضي بالعلم في حقوق العباد دون حقوق الله تعالى
وهو قول الحنفية والرواية الثانية عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، كما أنه هو القول الثاني للإمام الشافعي رضي الله عنه، وهو اختيار أغلبية أصحاب مذهبه، واستدلوا بنفس الحجج التي تمسك بها المجيزون لقضاء بعلمه مطلقا، ولكنهم يستثنون من ذلك حقوق الله تعالى: كحد الزنا، حد السرقة.. وحجتهم في ذلك أن حقوق الله تعالى مبنية على الرخصة والمسامحة فلا يناسبها القضاء بالعلم دون بينة، ولأن الحدود يحتاط في درئها وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم نفسه، ولكنهم سمحوا بالقضاء بالعلم في كل من حد القذف، وتعزيز السكران استثناء لما في الأول من حق للعبد ولكون الثاني ليس حد إنها هو تعزيز لكل من السكران ومن به أمارة السكر.
ويرى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: القياس أنه يحكم في ذلك ولكن أدع القياس وأستحسن إلا يقضي في ذلك بعلمه، ويقصد بذلك عدم القضاء بالعلم فيما يختص بحقوق الله تعالى( ).
وروي في الفتح عن بعض المالكية، نهم قالوا : أنه يقضي بعلمه في كل شيء إلا في الحدود، ويعلل الكسائي ذلك بقوله : لأن الحجة في وضع الشيء هي البينة التي تتكلم بها، ومعنى البينة، وإن وجدت فقد فاتت صورتها وفوات الصورة يورق شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات ، بخلاف القصاص، فإنه حق العبد وحقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها، وكذا حد القذف، لأنه فيه حق العبد وكلاهما لا يسقطان بشبهة فوات الصورة.( )
وإذا كانت أسس قاعدة القاضي من القضاء بعلمه في الفقه الإسلامي تستنبط من خلال الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وما احتج به الفقهاء من المعقول وذلك درءا للمفاسد وإبعاد للشبهة والتهمة للشخص القاضي بصفة خاصة ولأحكام القضاء بصفة عامة
وتحقيقا للعدل والإنصاف بالنسبة لمن يلجأ إلى القضاء حتى يتمكن من أخذ حقه دون أي تحكم من طرف شخص القاضي ولاسيما في زمن فسدت فيه القلوب وضعف فيه الوازع الديني.
المطلب الثاني: بعض مظاهر تطبيقاتها
فمن القواعد المتفق عليها في الشريعة الإسلامية أن عبء الإثبات يقع على المدعي ، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة
فمن الكتاب قوله تعالى: "لهم فاكهة ولهم ما يدعون"( ) والادعاء هنا بمعنى الطلب بنص الآية بإقامة الحجة والبرهان( ).
أما من السنة فقد استدلوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه( )" وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لو يعطي الناس بدعواهم لا دعى رجال أموال قوم ودمائهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكره. ( )
فهذه الأحاديث صريحة الدلالة على أن المدعي هو المكلف بإقامة الحجة وعليه يقع عبء الإثبات .
كما أن القاضي يعتبر غير صالح لنظر الدعوى، ولو لم يطلب أحد الخصوم تنحيته في أحوال معينة تعرف بأسباب عدم الصلاحية، فها هي تلك الأسباب التي تمنع القاضي من النظر في النزاع؟
لقد عرف الفقه الإسلامي عدم الصلاحية لأسباب موضوعية التي تجعل القاضي غير صالح للفصل في القضية المطروحة أماهه أصلا، ومن الأسباب التي ذكرها الفقهاء:
- أولا: كون القضية المطروحة أمام القاضي تخصه، ففي هاته الحالة لا يصلح القاضي للنظر في الدعوى.
جاء في معين الحكام: أن شريح قال: " شرط عي عمرو رضي الله عنه حين ولا في القضاء ألا أبيع، لأن القاضي إذا باشر ذلك بنفسه لم يؤمن أن يحابى فيميل إلى من حباه، فإذا وقعت لمن بايعه خصومة استخلف من يحكم بينه وبين خصمه لأنه إذا تولى الحكم بنفسه لم يؤمن أن يميل إليه".
- ثانيا: إذا كانت الدعوى المرفوعة إلى القاضي تخص أحدا من أقاربه كأبيه وإن علا وابنه وإن سفل أو زوجته ، جاء في القوانين الفقهية لابن جزي أن القاضي : لا يقضي لمن لا يجوز شهادته كولده ووالده ويصرف الحكم في ذلك إلى غيره( ).
- ثالثا: إذا كانت القضية المعروضة عليه تخص عدوا له أو من لا تقبل شهادته له، جاء في القوانين الفقهية أن القاضي، لا يقضي على عدوه ويجوز أن يقضي له، في موضع آخر، فلا تقبل شهادة العدو على عدوه( ).
- رابعا: إذا كان قد أفتى القاضي في القضية المطروحة عليه فإنها تكون سببا في عدم صلاحيته للنظر في هذه القضية، جاء في شرح ميارة( ): ومنع الإفتاء للحكام في كل ما يرجع للخصام بمعنى أن القاضي لا يجوز له أن يفتي في الخصومات، قال ابن الحاجب: ولا يفتي الحاكم في الخصومات.
ومما تقدم يتبين أن الشريعة الإسلامية تتطلب أن يكون القضاء صحيحا وعادلا، وهذا يحتاج إلى وسيلة تراقب من خلالها هذه الصحة وذلك العدل، وهذا لا يتأتى إلى من خلال بيان أسباب الأحكام التي يصدرها القضاة ولذلك فإن جذور التسيب تعد ممتدة في الشريعة الإسلامية الغراء منذ عصر الإسلام الأولى.
ولقد كرس فقهاء المسلمين فكرة تسيب الأحكام ونصوا عليها في كتبهم وطبقها قضاتهم، فقد جاء في شرح ميارة: ويكتب الحاكم إن حكم بما حكم به وبكل حجة له من تعديل وتجريح ومؤجب حكمه ليكون له حجة على المحكوم عليه إن نازعه( )، بالنسبة لفقهاء الشافعية فإنهم جعلوا التسيب لازما على القاضي الذي لا تتوفر فيه جميع الشروط المطلوبة لصحة تولية القضاء فقالوا : يلزمه بيان مستندة في كل حكم يصدره ولا يقبل قوله، حكمت بكذا من غير بيان مستندة فيه( ).
والتسبيب في الشريعة الإسلامية قوامه مقدمة كبرى تعتمد على تحقق علم القاضي بالكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل والمعتبر من الكلام وذلك من خلال الرجوع إلى الأحكام الشرعية فيما لم يرد فيه نص واستخدام أحكام القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ومقدمة أخرى صغرى تعتمد على تحقق علم القاضي بالواقعة وذلك مشروط بأن يحصله من مجلس القضاء مما يراه أو يسمعه أو يتحققه من كلام الخصوم في الدعوى ثم تطبيق الحكم الشرعي على الواقعة للوصول الذي سيصدره القاضي( ).
وهكذا من خلال هذه الأقوال يتضح أن التسيب أمر لازم في الشريعة الإسلامية لان فيه إظهار لحكم الشرع في الوقعة وبيانا لعدل القضاة ومن ثم اطمئنان الناس جميعا على حقوقهم.










خاتمة
وفي الأخير نستنتج النتائج التالية:
أن الفقه الإسلامي يقر بأهمية قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي كما أنها تتأسس على مصادر الشريعة الإسلامية المتمثلة في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والقياس والمعقول
كما أن فقهاء للشريعة نصوا على نوع من العلم لا يشمله المنع ويعد استثناء من قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي
أما الهدف من قاعدة امتناع قضاء القاضي بعلمه الشخصي يتجلى في الحفاظ على مظهر الحياد بالنسبة للقضاء حتى تبتعد الشبهة عن شخص القاضي، وكذا توفير الاطمئنان في نفوس الخصم بالنسبة لما يصدر ضدهم من أحكام، لأن القاضي عند احترامه لقاعدة المنع يتبع بصورة ضمنية طرق ووسائل الإثبات المروعة في التحقق من الوقائع المعروضة عليه
وختاما أرجو أن أكون قد أسهمت من خلال هذا العرض المتواضع في تسليط الضوء على قاعدة امتناع قضاء القاضي بعله الشخصي، إلى لفت انتباه المهتمين إلى سمة الشريعة الإسلامية وما تتصف له أحكامها وقواعدها من أصالة وعمق تصلح للتطبيق على مر العصور.








لائحة المصادر والمراجع
- لسان العرب المحيط للعلامة ابن منظور معجم لغوي
- القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن الفزوز آبادي دار الجيل بيروت
- نظام القضاء في الشريعة الإسلامية عبد الكريم زيدان مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية 1409/1991م
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر 1950م
- القوانين الفقهية لابن جزي، دار العلم للملايين بيروت طبعة 1968 م
- تبصرة الحكام في أصول القضية لابن فرحون مكتبة الكليات الأزهرية الطبعة الأولى 1984م
- الأحكام السلطانية والولايات الدينية للإمام أبو الحسن علي محمد المارودي دار الكتب العلمية بيروت
- مختصر الطحاوبي الحنفي دار إحياء العلوم بيروت الطبعة الأولى 1986 م
البهجة في شرح التحفة ، للشيخ أبي الحسن علي ابن عبد السلام التسولي دار الفكر بيروت
- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للفقيه ابن عرفة الدسوقي على الشرح الكبير للدرديري وبهامشه تقريرات الشيخ عليش دار الرشاد الحديثة البيضاء.
- شرح ميارة على تحفة الحكام للفقيه محمد ابن أحمد ميارة الفاسي مطبعة دار الفكر
- أخبار القضاة لوكيع محمد بن خلف بن حيان مطبعة الاستقامة القاهرة مصر الطبعة الأولى 1366ه/ 1947، عالم الكتب بيروت لبنان
- التاج والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل لشرح مختصر خليل أبو عبد الله محمد يوسف المواق، الطبعة الثانية دار الفكر سنة 1978
- المغني للفقيه ابن قدامة، مطبعة دار الكتب العربي بيروت ببنان 1972م
- المحلي لابن حزم عني بنشره وتصحيحه للمرة الأولى سنة 1347ه إدارة الطباعة المنيرة بتحقيق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاطر مطبعة النهضة مصر
- الجامع لأحكام القرآن: للإمام القرطبي دار الكتاب العربي القاهرة 1387/1967
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عرض في قاعدة فقهية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: الوحدات الأساسية :: القواعد الفقهية-
انتقل الى: