منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس

وتطبيقاتها في الأحكام والنوازل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
المنتدى في طور البناء، لا تبخلوا عليه بمشاركاتكم
عما قريب ستزول الاعلانات المزعجة، إذا كان منتدانا نشيطا، فلنساهم في إزالتها بالمشاركة والإفادة والاستفادة

شاطر | 
 

 دراسة القاعدة الفقهية :دراسة القاعدة الفقهية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن علي



عدد المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 25/10/2010

مُساهمةموضوع: دراسة القاعدة الفقهية :دراسة القاعدة الفقهية    الأحد يناير 23, 2011 8:34 am

جامعة سيدي محمد بن عبد الله
كلية الآداب، ظهر المهراز

" ماستر القواعد الأصولية و الفقهية، وتطبيقاتها في الأحكام و النوازل "
- وحدة القواعد الفقهية
- الدكتور عبد الله الهلالي

دراسة القاعدة الفقهية
"الضرورات تبيح المحظورات"

إنجاز:
عبد الحق الحوتة
عمر اليعقوبي



2010/2011
مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم،والصلاة و السلام على أشرف المرسلين،وبعد،
فهذا عرض وجيز حول القاعدة الفقهية"الضرورات تبيح المحظورات".
وقد ارتأينا أن يكون تقديمنا إياه، وفق المحاورالتالية:
أولا: التعريف.
ثانيا: الأدلّة الشّرعيّة على اعتبار الضّرورة في الأحكام.
تقدير الضرورة. ثالثا:
رابعا: مصطلحات ذات صلة بقاعدة الضرورة.
خامسا: أسباب الضرورة.
سادسا:شروط تحقّق الضّرورة.
سابعا:حالات الضّرورة.
ثامنا: تطبيق قاعدة الضرورة في مجال الطب .
تاسعا: القواعد الفقهيّة الضّابطة للقاعدة وما يستثنى منها.
و..ختم.
و الله من وراء القصد. وهذا أوان الشروع في المقصود.




أولا: التعريف:
الضرورة في اللغة ،هي الضرر.يقال ضره يضره ضررا،وضرورة،وضروراء.
و الأصل في معنى الضرر الضيق. كما ذكر لسان العرب.
أما الاضطرار،فهو حمل الإنسان على ما فيه ضرر.فالضرورة و الإضطرار متحدا المعنى.
إن علماء اللغة لايشترطون أن يبلغ الضرر حدا معينا كما الفقهاء. بل يفسرون الضرورة بالحاجة، و الإضطرار بالاحتياج.
جاء في مقاييس اللغة:الحاء الواو و الجيم أصل واحد، وهو الإضطرار إلى الشىء.
بينما تعريف الفقهاء للضرورة، فقد روعي فيه ذلك القدر المبيح للممنوع.
أما كلمة تبيح، فهي من الإباحة بمعنى الإذن و الجواز ،من غير ترتب الثواب أو العقاب على الإتيان
أما المحظور فهو الممنوع و الحرام.
فيكون مفهوم هاته القاعدة كما جاء بالموسوعة الفقهية الكويتية:
"بلوغ الإنسان حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطرّ للأكل واللّبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرّم. فهذا النوع من الضرر،يدخل في معنى الحرج، والذي يطلقه الفقهاء على كلّ ما تسبّب في الضّيق ،سواء أكان واقعاً على البدن أم على النّفس أم عليهما معا".
والصّلة بين الضّرورة والحرج أنّ الضّرورة هي أعلى أنواع الحرج الموجبة للتّخفيف.

ثانيا: الأدلّة الشّرعيّة على اعتبار الضّرورة في الأحكام:
الأحكام الشّرعيّة نوعان:
أحكام كلّيّة شرعت ابتداءً ، ولا تختصّ ببعض المكلّفين من حيث هم مكلّفون دون بعض ، ولا ببعض الأحوال دون بعض.
وأحكام شرعت لعذر شاقّ استثناءً من أصل كلّيّ يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلّ على مشروعيّة العمل بالأحكام الاستثنائيّة بمقتضى الضّرورة ، وتأيّد ذلك بمبدأي اليسر وانتفاء الحرج اللّذين هما صفتان أساسيّتان في دين الإسلام وشريعته.
الآيات الدالة على مشروعيّة العمل بمقتضى الضّرورة واعتبارها في الأحكام عديدة،لن نستقصيها كله،فقط نمثل لها بمثالين، يقول الله تعالى في سورة البقرة: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } البقرة 173
وقوله تعالى في سورة الأنعام : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } الأنعام 119 .
فهاتان الآيتان ، تبيّنان تحريم تناول مطعومات معيّنة كالميتة ونحوها ، كما أنّها تتضمّن استثناء حالة الضّرورة حفاظاً على النّفس من الهلاك ، والاستثناء من التّحريم إباحة ، إذ الكلام صار عبارةً عمّا وراء المستثنى ، وقد كان مباحاً قبل التّحريم ، فيبقى على ما كان في حالة الضّرورة.
و كما أبيح الأكل من الميتة حال الضرورة،أبيح الفعل المحرم كذلك،كالتلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، تهديدا بموت،أوتعذيبا وحشيا، مع اطمئنان القلب بالإيمان
. { من كفر بالله من بعد إيمانه،إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان }بدليل قوله تعالى:
جاء في أحكام القرآن للجصاص: قد ذكرالله تعالى الضرورة في هذه الآيات،و أطلق الإباحة في بعضها بوجودالضرورة،من غير شرط و لا صفة،وهو قوله تعالى:وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه. فاقتضى ذلك وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. ج1/ 156
وأمّا الأحاديث النبوية الشريفة، فقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد اللّيثيّ أنّهم قالوا: يا رسول اللّه ، إنّا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى يحلّ لنا الميتة ؟ قال : إذا لم تصطبحوا ، ولم تغتبقوا ، ولم تحتفئوا ، فشأنكم بها.
ومعنى الحديث،إذا لم تجدوا طعاما تصطبحون به أول النهار،أو تغتبقون به آخر النهار،أو تجدوا بقلة تأكلونها،فقد أحلت لكم الميتة.
وعن جابر بن سمرة، أنّ أهل بيت كانوا محتاجين، فماتت عندهم ناقة، وليس لهم غيرها، فرخّص لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم في أكلها ، قال الراوي: فعصمتهم بقيّة شتائهم أو سنتهم.
وقد دلّ الحديثان على أنّه يجوز للمضطرّ أن يتناول من الميتة ما يكفيه، إن كان في ذلك عصمته من الهلاك.
تقدير الضرورة: ثالثا:
الضرورة من الأمور الاجتهادية ، فمنها ماهو متصل بأمور الجماعة، ومنها ماهو متعلق بخصوصيات الأفراد، أما ماكان متصلا بأمور الجماعة والمجتمع فهي مسؤولية الحاكم الشرعي صاحب السلطة التنفيذية في البلاد، فجمع القرآن الكريم في مصحف واحد كان ضرورة تهم جماعة المسلمين عامتهم تولاها الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وهكذا.
أما إذا كان متصلا بخصوصيات الأفراد فتقديره موكول إلى ديانتهم ، ويحكمون فيها ضما ئرهم ، بحيث تتفق مما رستهم وأحكام الشريعة في غير خدعة ولا تضليل ، فالله مطلع على أسرارهم وحقيقة نواهم؛ إذ الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات ، وهي ما يستفتي فيها المرء فيها نفسه.

رابعا: مصطلحات ذات صلة بقاعدة الضرورة:
أ – الحاجة:
الحاجة في اللّغة : تطلق على الافتقار ، وعلى ما يفتقر إليه. .
واصطلاحاً : هي - كما عرّفها الشّاطبيّ - ما يفتقر إليه من حيث التّوسعة ، ورفع الضّيق المؤدّي - في الغالب - إلى الحرج والمشقّة اللاحقة بفوت المطلوب ، فإذا لم تراع دخل على المكلّفين - على الجملة - الحرج والمشقّة.
والفرق بين الحاجة والضّرورة ، أنّ الحاجة وإن كانت حالة جهد ومشقّة فهي دون الضّرورة ، ومرتبتها أدنى منها ولا يتأتّى بفقدها الهلاك.
ب – الحرج:
الحرج في اللّغة : بمعنى الضّيق ، ويطلق عند الفقهاء على كلّ ما تسبّب في الضّيق ، سواء أكان واقعاً على البدن أم على النّفس أم عليهما معاً.
والصّلة بين الضّرورة والحرج أنّ الضّرورة هي أعلى أنواع الحرج الموجبة للتّخفيف.
ج – العذر:
العذر نوعان : عامّ ، وخاصّ
العذر العامّ : هو الّذي يتعرّض له الشّخص غالباً في بعض الأحوال كفقد الماء للمسافر ، فيسقط قضاء الصّلاة ، وقد يكون نادراً ، وهو إمّا أن يدوم كالحدث الدّائم والاستحاضة والسّلس ونحوه ، فيسقط القضاء أيضاً ، أمّا النّادر الّذي لا يدوم ولا بدل معه كفقد الطّهورين ونحوه ، فيوجب القضاء عند بعض الفقهاء .
وأمّا العذر الخاصّ : فهو ما يطرأ للإنسان أحياناً ، كالانشغال بأمر ما عن أداء الصّلاة ، فهذا يوجب القضاء
والصّلة بين الضّرورة وبين العذر أنّ العذر نوع من المشقّة المخفّفة للأحكام الشّرعيّة ، وهو أعمّ من الضّرورة.
د – الإكراه:
الإكراه لغةً : حمل الغير على شيء لا يرضاه ، يقال : أكرهت فلاناً إكراهاً : حملته على ما لا يحبّه ويرضاه
وهو حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفاً به
وقد يؤدّي الإكراه إلى الضّرورة كالإكراه الملجئ.

خامسا: أسباب الضرورة:
أ-الإكراه، وهو الذي لايبقى للشخص معه قدرة ولااختيار، كأن يهدد شخص غيره بما يلحق به ضررا في نفسه أو في عضوٍ من أعضائه، ويعد هذا الإكراه حالةً من حالات الاضطرار الشرعية التي يباح فيها ارتكاب المحظور شرعا لحديث " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه."
ب- الدفاع الشرعي،ويقصد به رد اعتداء من إنسان أوحيوان على النفس أو العرض أو المال سواءً وقع الاعتداء على الشخص نفسه أو على أخيه المسلم.
ج- السفر، وهو الخروج على قطع المسير إلى موضع بينه وبين ذلك الموضع مسيرة ثلاثة أيّام فما فوقها بسير الإبل ومشي الأقدام. ويقدر86 كلم كما يُعد هذا عارضا من العوارض الأهلية.
د-النسيان، وهو عدم استحضار الإنسان الشيء في وقت الحاجة إليه، وهو عارض من العوارض الأهلية ، ويعد النسيان عذراً شرعيا يرفع الإثم والمؤاخذة على ترك حقوق الله كإهمال بعض الواجبات الدينية أوالشرائط الشرعيّة.
ه- الجهل، وهو عدم العلم بالأحكام الشرعية بمختلف أنواعها كلها أوبعضها. ويُعد في حالته الطبيعية عارضا من العوارض الأهليّة المكتسبة.
و-المرض، وهو حالة غير طبيعيّةٍ في بدن الإنسان ينجم عنها بالذات آفة في الفعل. ولماكان المرض من أسباب الضرورة شُرعت له أحكامٌ مخففة كمشروعية التيمم بالتراب، وجواز أن يصلي الشخص عند عدم استطاعته لقيام صلاة الفرض قاعدا، وإباحة التخلف عن صلاة الجماعة، وجواز الفطر في رمضان وغير ها من الأعذار.
ز- عموم البلوى، وهي شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد عنه.وهو سبب من أسباب التخفيف ومظهر من مظاهر التسامح واليسر في الأحكام الشرعيّة.
ح- النقص الطبيعي أو الإعاقة الجسدية، أي تحمل نوعا من المشقة عند طلب التكاليف التي يلزم بها الناس الطبيعيين الأسوياء.

سادسا:شروط تحقّق الضّرورة:
: يشترط للأخذ بمقتضى الضّرورة ما يلي
أ - أن تكون الضّرورة قائمةً لا منتظرةً ، وتظهر هذه القاعدة في الفروع الفقهيّة المبنيّة على الرّخص منها.
يشترط الفقهاء لتحقّق الإكراه خوف المكره إيقاع ما هدّد به في الحال بغلبة ظنّه ، وبناءً على هذا الشّرط فقول المكره " لأقتلنك غداً " ليس بإكراه ،بل يطلب اليقين..
ب - ألاّ يكون لدفع الضّرورة وسيلة أخرى إلاّ مخالفة الأوامر والنّواهي الشّرعيّة، قال أبو بكر الجصّاص عند تفسيره لقول اللّه تعالى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } ومعنى الضّرورة هنا، هو خوف الضّرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل وقد انطوى تحته معنيان:
أحدهما : أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة.
والثّاني : أن يكون غيرها موجوداً ، ولكنّه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو بعض أعضائه ، وكلا المعنيين مراد في الآية .
ج - يجب على المضطرّ مراعاة قدر الضّرورة ، لأنّ ما أبيح للضّرورة يقدّر بقدرها ، وتفريعاً على هذا الأصل قرّر جمهور الفقهاء أنّ المضطرّ لا يأكل من الميتة إلاّ قدر سدّ الرّمق.
د - يجب على المضطرّ أن يراعي عند دفع الضّرورة مبدأ درء الأفسد فالفاسد ،و الأخطر فالخطير، فمن أكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قتل يلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصّبر على القتل ، لأنّ صبره على القتل أقلّ مفسدةً من إقدامه عليه ، وإن قدر على دفع المكروه بسبب من الأسباب لزمه ذلك ، لقدرته على درء المفسدة ، وإنّما قدّم درء القتل بالصّبر ، لإجماع العلماء على تحريم القتل ، واختلافهم في الاستسلام للقتل،
فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها.
هـ – ألاّ يقدم المضطرّ على فعل لا يحتمل الرّخصة .

سابعا:حالات الضّرورة:
لحوق الضّرر بجالب المصلحة أو دافع المفسدة عند منعه من استعمال حقّه:
من فروع هذا النّوع أنّه إذا اشتدّت المخمصة في سنة المجاعة وأصابت خلقاً كثيراً ، وكان عند بعض النّاس قدر كفايته وكفاية عياله ، لم يلزمه بذله للمضطرّين ، وليس لهم أخذه منه لأنّ ذلك يفضي إلى وقوع الضّرر به ولا يدفعه عنهم ، وكذلك إن كانوا في سفر ومعه قدر كفايته من غير فضلة ، لم يلزمه بذل ما معه للمضطرّين، لأنّ البذل في هذه الحالة يفضي إلى هلاك نفسه وهلاك عياله فلم يلزمه ، كما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه ، ولأنّ في بذله إلقاءً بيده إلى التّهلكة ، وقد نهى اللّه عن ذلك.
أمّا إذا أمكن انجبار الإضرار ورفعه جملةً فاعتبار الضّرر العامّ أولى فيمنع الجالب أو الدّافع ممّا همّ به ، لأنّ المصالح العامّة مقدّمة على المصالح الخاصّة بدليل النّهي عن تلقّي السّلع وعن بيع الحاضر للبادي ، واتّفاق السّلف على تضمين الصّنّاع مع أنّ الأصل فيهم الأمانة ، وقد زادوا في مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غيره ممّا رضي أهله وما لا ، وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص لكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرّة - لا تنجبر - وهو مفاد قاعدة " يتحمّل الضّرر الخاصّ لدفع الضّرر العام"
دفع الضّرر بالتّمكين من المعصية:
فمن ذلك الرّشوة على دفع الظّلم إذا لم يقدر على دفعه إلاّ بذلك ، وإعطاء المال للمحاربين وللكفّار في فداء الأسرى ، كلّ ذلك انتفاع أو دفع ضرر بتمكين من المعصية ، ومن ذلك طلب فضيلة الجهاد ، مع أنّه تعرّض لموت الكافر على الكفر ، أو قتل الكافر المسلم.
بل العقوبات كلّها جلب مصلحة أو درء مفسدة يلزم عنها إضرار الغير ، إلاّ أنّ ذلك كلّه إلغاء لجانب المفسدة لأنّها غير مقصودة للشّارع في شرع هذه الأحكام ، ولأنّ جانب الجالب والدّافع أولى. .
دفع الضّرر بترك الواجب:
المعهود في الشّريعة دفع الضّرر بترك الواجب إذا تعيّن طريقاً لدفع الضّرر كالفطر في رمضان ، وترك ركعتين من الصّلاة لدفع ضرورة السّفر ، وكذلك يستعمل المحرّم لدفع الضّرر كأكل الميتة لدفع ضرر التّلف ، وتساغ الغصّة بشرب الخمر كذلك ، وذلك كلّه لتعيّن الواجب أو المحرّم طريقاً لدفع الضّرر.
أمّا إذا أمكن تحصيل الواجب ، أو ترك المحرّم مع دفع الضّرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات فلا يتعيّن ترك الواجب ولا فعل المحرّم ، ولذلك لا يترك الغسل بالماء ، ولا القيام في الصّلاة ولا السّجود لدفع الضّرر والألم والمرض ، إلاّ لتعيّنه طريقاً لدفع ذلك الضّرر ، وهذا كلّه قياس مطّرد.

ثامنا: تطبيق قاعدة الضرورة في مجال الطب :
التصرف في الجسد:
يجوز نقل الأعضاء الجسدية عند الاضطرار من حي إلى حي، أو من ميت إلى حي، شريطة أن يوصي بذاك.
كما جوز العلماء تشريح الجثة عند الإقتضاء،و كذلك جوزوا التلقيح الصناعي قصد الإنجاب.
الخلوة و كشف العورة:
تجريد الرجل للمرأة المسلمة من أجل علاجها إذا دعت الضرورة إلى العلاج ولم يوجد من يعالجها سوى رجل
ولا تتداوى المرأة عند الرجل إذا كانت هناك امرأة طبيبة.
الكحول:
يُستعمل الكحول بنسب متفاوتة لأغراض دوائية مختلفة .و يشترط لشرب تلك الأدوية :
- أن يضطر إلى ذلك لفقدان الدواء المباح الخال من الكحول.
- أن تكون الجرعة الدوائية غير مؤدية و مسكرة.
المخدرات:
تستعمل لتسكين الألم الشديد ومعالجة الآلام بعد العمليات الجراحية. من تلك المخدرات مادة المورفين ، فهذه لا يوجد ما يحل محلها في الوقت الحاضر ويجري فيها حكم الضرورة على أن تستعمل في نطاق ضيق قدر الإمكان.
الأنسولين:
يستعمل لعلاج المصابين بداء السكري، وهناك مصادر مختلفة يُستخرج منها الأنسولين.
في بعض الحالات الإسعافية قد لا يتوافر إلا الأنسولين المستخرج من الخنزير، فهنا يمك استعمال المحرم بمقدار الإسعاف وضمن زمن فقدان المباح.

تاسعا: القواعد الفقهيّة الضّابطة للقاعدة وما يستثنى منها:
عني الفقهاء بدراسة موضوع الضّرر ومعالجة آثاره ، وذلك لما له من أهمّيّة بالغة في استقرار العلاقات بين النّاس ، وقعّدوا لذلك مجموعةً من القواعد الفقهيّة الكلّيّة تضبطه ، وتنظّمه، وأهمّ تلك القواعد هي:
الضّرر لا يزال بمثله: أ-
هذه القاعدة مقيّدة لقاعدة " الضّرر يزال " بمعنى أنّ الضّرر مهما كان واجب الإزالة ، فإزالته إمّا بلا ضرر أصلاً أو بضرر أخفّ منه ، كما هو مقتضى قاعدة " الضّرر الأشدّ يزال بالأخفّ " وأمّا إزالة الضّرر بضرر مثله أو أشدّ فلا يجوز ، وهذا غير جائز عقلاً - أيضاً - لأنّ السّعي في إزالته بمثله عبث .
ومن فروع هذه القاعدة ما لو أكره على قتل المسلم بالقتل مثلاً لا يجوز لأنّ هذا إزالة الضّرر بضرر مثله ، بخلاف أكل ماله فإنّه إزالة الضّرر بما هو أخفّ .
ومنها لو ابتلع حيوان في ملك شخص ما جوهرة نفيسة ، يذبح ذلك الحيوان، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقلّ ، لأنّ الأصل أنّ الضّرر الأشدّ يزال بالأخف.
الضّرورات تقدّر بقدرها: -ب
معنى هذه القاعدة : أنّ كلّ فعل أو ترك جوّز للضّرورة فالتّجويز على قدرها ولا يتجاوز عنها.
ومن فروعها : أنّ الكفّار حال الحرب إذا تترّسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرّمي عليهم لضرورة إقامة فرض الجهاد ، لكنّهم يقصدون الكفّار دون الأطفال.
ج- إذا ضاق الأمر اتّسع:
معناها أنّه إذا ظهرت مشقّة في أمر يرخّص فيه ويوسّع، ومن فروع هذه القاعدة:
- شهادة النّساء والصّبيان في الحمّامات والمواضع الّتي لا يحضرها الرّجال دفعاً لحرج ضياع الحقوق.
- قبول شهادة القابلة على الولادة ضرورة حفظ الولد ونسبه.
- إباحة خروج المتوفّى عنها زوجها من بيتها أيّام عدّتها إذا اضطرّت للاكتساب.
ما جاز لعذر بطل بزواله: د-
هذه القاعدة يعمل بها أثناء قيام الضّرورة ، وهذه القاعدة تبيّن ما يجب فعله بعد زوال حال الضّرورة ، ومعناها أنّ ما جاز فعله بسبب عذر من الأعذار ، أو عارض طارئ من العوارض فإنّه تزول مشروعيّته بزوال حال العذر ، لأنّ جوازه لمّا كان بسبب العذر فهو خلف عن الأصل المتعذّر ، فإذا زال العذر أمكن العمل بالأصل ، فلو جاز العمل بالخلف للزم الجمع بين الخلف والأصل فلا يجوز كما لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز لهذه العلّة.
ه - الاضطرار لا يبطل حقّ الغير:
الاضطرار وإن كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة ، وفي بعضها التّرخيص في فعله مع بقائه على الحرمة ككلمة الكفر، إلاّ أنّه على كلّ حال لا يبطل حقّ الغير ، وإلاّ لكان من قبيل إزالة الضّرر بالضّرر وهذا غير جائز .
ويتفرّع عن هذه القاعدة أنّه لو اضطرّ إنسان بسبب الجوع فأكل طعام آخر يضمن قيمته في القيميّات، ومثله في المثليّات.
و في نفس السياق، نذكر بأن حقوق العباد من مستثنيات هاته القاعدة، على سبيل الدوام. لأن المنطق لا يسمح بإباحة حق الغير للمضطر على حساب أخيه المسلم، لإن الضرر لا يزال بمثله أو شيء أكبر منه،.إذ فما وجه تفضيل أحدهما على الآخر!
إذ أن الفقهاء ينصون على أن الإضطرار لا يبطل حق الغير، فما لَحِقَ الغير من أضرارٍ لزم تعويضُه.
و بناء عليه، فلو قيل لشخص : اقتل فلاناً وإلا سلبنا مالك، فلا يجوز له أن يقتله، بل لو قالوا له: اقتل فلاناً وإلا قتلناك، وفلان هذا مسلم معصوم، لا يجوز له أن يقتله، لأن النفوس في الشريعة سواسية، فكيف يجوز له أن يقتل غيره من المسلمين لكي يدفع القتل عن نفسه؟
ولذلك قال العلماء: لا يجوز للجنود المسلمين قتال الجنود من المسلمين بغير وجه حق، ولو كانوا مكرهين، ولو كان الإكراه بالقتل،فمن غير المقبول شرعا أن تتقاتل دولتان مسلمتان،بأي وجه من الوجوه،مالم تبغي إحداهما على الأخرى،كما ورد في سورة الحجرات: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)}الآية.
وكذلك لو أكره مسلم بالقتل على أن يدل العدو على أسرار دولته العسكرية، وهو ما يسمى اليوم بالجاسوسية، لم يجز له أن يفعل ذلك، ولو كان فيه هلاكه.

ختم
وبهذا نكون قد قدمنا نظرة عامة حول مفهوم الضرورة في الشريعة الإسلامية، و التي تعتبر حالة استثنائية، و ليست هي الأصل، و سليم الديانة يشعر أنه في ضيق وهو يفعل هذا الأمر المحرم، ولو كان مرخصا، وأن عليه أن يتحرر منها بأي وسيلة ممكنة. و لا بأس أن نذكر بقول العلماء: من تتبع الرخص فقد تزندق.
أيضا، على العلماء أن يتحروا مليا قبل الإفتاء بها.
و خير ما نختم به، حديث النبي عليه الصلاة و السلام، الذي أورده الإمام النووي في أربعينيته من حديث وابصة بن معبد حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، فقال له النبي عليه الصلاة و السلام:" استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك."
و الحمد لله رب العالمين.







مراجع

- القواعد الفقهية،يعقوب الباحسين،مكتبة الرشد،السعودية.
- قواعد الفقه الإسلامي،محمد الروكي،دار القلم،سوريا.
- القواعد الفقهية بين الأصالة و التوجيه،محمد بكر إسماعيل، دار المنار،1997
- نظرية الضرورة الشرعية،وهبة الزحيلي،مؤسسة الرسالة،لبنان،ط الثالثة،1402
- القواعد الفقهية، عبد المجيد جمعة،دار ابن القيم،دار ابن عفان
- القواعد الفقهية الكبرى، صالح السدلان، دار بلنسية، الرياض،1417
- قاعدة لا ضرر و لا ضرار:مقاصدها و تطبيقاتها الفقهية قديما و حديثا،الدكتور عبد الله الهلالي،دار البحوث، دبي،ط1،2005
مواقع علمية على النت:
موقع وزارة الأوقاف الكويتيةislam.gov.kw
منتدى الأصلين aslein.net
ملتقى المذاهب الفقهية mmf-4.com
المكتبة الإسلامية islamweb.com






فهرس

مقدمة..................................................................................2
أولا: التعريف:..........................................................................3
ثانيا: الأدلّة الشّرعيّة على اعتبار الضّرورة في الأحكام.....................................3
ثالثا: تقدير الضرورة....................................................................5
رابعا: مصطلحات ذات صلة بقاعدة الضرورة............................................5
خامسا: أسباب الضرورة................................................................6
سادسا:شروط تحقّق الضّرورة............................................................7
سابعا:حالات الضّرورة..................................................................8
ثامنا: تطبيق قاعدة الضرورة في مجال الطب...............................................9
تاسعا: القواعد الفقهيّة الضّابطة للقاعدة وما يستثنى منها................................10
ختم..................................................................................12
هوامش و مراجع.....................................................................13





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دراسة القاعدة الفقهية :دراسة القاعدة الفقهية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القواعد الفقهية والأصولية بفاس :: الوحدات الأساسية :: القواعد الفقهية-
انتقل الى: